كيف استغل الحوثيون اخطاء السعودية في تفكيك التحالف العربي والتحول من موقع الضعف الى موقع القوة؟

دراسات وتحليلات - منذ 5 ساعات

عدن|| عين الجنوب||خاص:
لم تعد الحرب في اليمن تسير وفق المعادلة التي تشكلت في بدايات التدخل العسكري للتحالف العربي فقد تغيرت موازين القوة على الارض بصورة كبيرة وانتقلت المبادرة في العديد من مسارات الصراع من التحالف الذي تقوده السعودية الى جماعة الحوثي التي استطاعت خلال سنوات الحرب استثمار الاخطاء السياسية والعسكرية التي ارتكبتها الرياض وتحويلها من نقاط ضعف الى اوراق ضغط تستخدمها في مواجهة السعودية وحلفائها

فعندما انطلق التحالف العربي كانت السعودية تمتلك تفوقا عسكريا كبيرا وكانت الامارات شريكا اساسيا في العمليات وكانت القوات الجنوبية والمجلس الانتقالي الجنوبي العربي جزءا مهما من المعادلة العسكرية والسياسية في الجنوب بينما كانت جماعة الحوثي في ذلك الوقت تواجه ضغوطا عسكرية واسعة وتتعرض مواقعها لضربات جوية متواصلة وكانت خطوط امدادها ومناطق انتشارها تحت ضغط مستمر

ورغم ان التحالف لم يتمكن من حسم معركة صنعاء او أسقاط سلطة الحوثيين الا ان العمليات العسكرية خلال السنوات الاولى اضعفت كثيرا من قدراتهم في عدد من الجبهات وضيقت نطاق تحركهم وفرضت عليهم خوض معارك دفاعية في مناطق متعددة

لكن المشكلة لم تكن في غياب القوة العسكرية بقدر ما كانت في الطريقة التي اديرت بها هذه القوة وفي الخلافات التي نشأت داخل المعسكر المناهض للحوثيين والتي تحولت مع مرور الوقت الى عامل استراتيجي ساهم في اعادة تشكيل المشهد اليمني

فبدلا من الحفاظ على تحالف متماسك يجمع مختلف القوى المناهضة للحوثيين دخلت السعودية في صراعات سياسية وعسكرية مع قوى كانت شريكة لها في مواجهة الجماعة الحوثية وفي مقدمتها المجلس الانتقالي الجنوبي العربي والقوى الجنوبية كما تراجعت العلاقة مع الامارات بصورة واضحة وانتهى الامر الى تفكك جزء مهم من الترتيبات التي كانت تجمع الطرفين وهنا وجدت جماعة الحوثي فرصة ثمينة لم تكن لتحصل عليها بسهولة في بداية الحرب فالانقسام داخل المعسكر المناهض لها منحها مساحة واسعة لاعادة ترتيب صفوفها وتطوير قدراتها وتعزيز نفوذها والاستفادة من تراجع الضغط العسكري عليها وتحويل المعركة تدريجيا من معركة دفاع عن مناطقها الى معركة استنزاف تستهدف خصومها خارج مناطق سيطرتها.

وبدأت الجماعة تتعامل مع عامل الوقت باعتباره سلاحا استراتيجيا فكلما طال امد الحرب ازدادت الخلافات بين خصومها وكلما اتسعت الهوة بين السعودية والقوى المحلية المتحالفة معها تراجعت قدرة الطرف المقابل على تشكيل جبهة موحدة قادرة على الضغط العسكري والسياسي في وقت واحد.

وفي المقابل عمل الحوثيون على تطوير قدراتهم الصاروخية والطائرات المسيرة والوسائل البحرية لتتحول الجماعة من قوة محلية تقاتل داخل اليمن الى طرف قادر على نقل جزء من المعركة الى المجال الاقليمي
ومن هنا بدأت المعادلة تأخذ شكلا مختلفا فالسعودية التي دخلت الحرب وهي تحاول منع سقوط صنعاء بيد الحوثيين وجدت نفسها بعد سنوات امام جماعة قادرة على تهديد العمق السعودي وشن هجمات بالصواريخ والطائرات المسيرة واستهداف منشآت ومواقع حيوية ومحاولة الضغط على حركة الملاحة المرتبطة بالمصالح السعودية
كما ان التطورات البحرية منحت الحوثيين ورقة ضغط اضافية اذ اصبحت الملاحة في البحر الاحمر وباب المندب جزءا من المعركة السياسية والعسكرية وهو ما سمح للجماعة بتوجيه رسائل تتجاوز حدود الجغرافيا اليمنية.
ومع استمرار التوترات البحرية اصبح تغيير مسارات بعض السفن وارتفاع كلفة الملاحة والتأمين من النتائج التي يمكن توظيفها سياسيا واقتصاديا للضغط على السعودية وخصومها.

وهنا تظهر واحدة من اهم المفارقات في الحرب اليمنية
فالتحالف الذي كان يمتلك في بداية الحرب قدرة كبيرة على العمل في البحر والجو وجد نفسه مع مرور السنوات امام خصم غير تقليدي يستطيع استخدام الصواريخ والطائرات المسيرة والزوارق المسيرة والتهديدات البحرية لخلق حالة استنزاف مستمرة.

ولم يتوقف الامر عند البحر
فالضغط الحوثي امتد الى الداخل اليمني ايضا حيث تعرضت مواقع ومعسكرات تابعة لقوات حكومة شرعية الإخوان ومعسكرات تابعة للسعودية لهجمات صاروخية وطائرات مسيرة فيما شهدت بعض الجبهات تراجعا في قدرتها على الصمود واصبحت القوات التابعة للحكومة المعترف بها دوليا تواجه تحديات متزايدة في ظل ضعف التنسيق وتعدد مراكز القرار والخلافات السياسية والعسكرية
وهذا الوضع منح الحوثيين ميزة مهمة تتمثل في القدرة على اختيار توقيت التصعيد ومكانه بينما يجد خصومهم انفسهم امام جبهات متعددة ومصالح متعارضة وحسابات سياسية مختلفة.

وبذلك انتقلت الجماعة تدريجيا من موقع الطرف الذي يخشى توسع العمليات العسكرية ضده الى موقع الطرف الذي يستطيع فرض كلفة على خصومه متى اراد التصعيد.

ومن ابرز المؤشرات على تغير المعادلة ان السعودية لم تعد تعتمد على الخيار العسكري وحده كما كان الحال في بداية الحرب بل اصبحت الدبلوماسية والوساطة والاتصالات الدولية جزءا اساسيا من محاولاتها لاحتواء الصراع والوصول الى ترتيبات تقلل من مستوى التهديد.

ويكشف ذلك عن تحول واضح في طبيعة الحرب فالسعودية التي كانت تسعى الى فرض تسوية من موقع التفوق العسكري باتت تحتاج الى البحث عن تسوية من خلال التفاوض والضغط الدبلوماسي والوساطات الدولية
وهذا التحول لا يعني بالضرورة ان الحوثيين اصبحوا قوة لا يمكن هزيمتها لكنه يعني ان تكلفة اي مواجهة شاملة معهم ارتفعت بصورة كبيرة وان المعادلة لم تعد تقوم على التفوق العسكري التقليدي وحده.

كما ان محاولة السعودية تعزيز علاقاتها الدفاعية مع دول مثل باكستان وتركيا تعكس حجم التحديات التي تواجهها الرياض في بناء منظومة ردع اقليمية اوسع.

لكن السؤال الاهم هو ما اذا كانت هذه الشراكات قادرة فعلا على تغيير قواعد الاشتباك مع الحوثيين؟!.

فالقدرات العسكرية للدول الحليفة للسعودية قد تضيف عناصر قوة الى المنظومة الدفاعية لكنها لا تعالج بالضرورة جذور المشكلة اليمنية ولا تستطيع وحدها انهاء قدرة الحوثيين على العمل من داخل بيئة جغرافية معقدة او منع الهجمات غير التقليدية التي تعتمد على الصواريخ والمسيرات والوسائل البحرية.

كما ان السيطرة الجغرافية على مناطق واسعة من الساحل اليمني القريبة من باب المندب تمنح الحوثيين ميزة اضافية في مراقبة مسارات الملاحة وتهديد السفن واستغلال الموقع الجغرافي الحساس في معركة سياسية وعسكرية مفتوحة.

ومن هنا يمكن القول ان احد اكبر اخطاء السعودية لم يكن في دخول الحرب بحد ذاته بل في عدم الحفاظ على تماسك القوى التي كانت تقاتل الحوثيين وعدم بناء صيغة سياسية وعسكرية قادرة على استيعاب التناقضات بين تلك القوى.

فالتعامل مع الحلفاء المحليين باعتبارهم اطرافا يمكن استبدالها او تحجيمها اضعف الجبهة المناهضة للحوثيين وفتح المجال امام الجماعة لاستثمار الصراعات الداخلية.

كما ان استمرار الاعتماد على قوات مرتبطة بحكومة تعاني من الانقسامات السياسية والعسكرية جعل السعودية امام جبهة لا تمتلك وحدة القرار ولا وحدة الهدف.

وفي المقابل ادرك الحوثيون مبكرا ان اضعاف خصومهم من الداخل قد يكون اكثر فاعلية من مواجهتهم جميعا في جبهة واحدة
ولهذا استفادوا من كل خلاف سياسي وكل صدام عسكري وكل انقسام داخل المعسكر المناهض لهم وحولوا تلك التناقضات الى فرصة لتعزيز مواقعهم وبذلك لم يعد الحوثيون مجرد طرف ينتظر هجوما من خصومه بل اصبحوا طرفا يسعى الى صناعة الازمات وفرض اجندة التصعيد وتوجيه رسائل عسكرية وسياسية في اكثر من اتجاه.

واذا كانت السعودية قد دخلت الحرب بهدف منع تهديد امنها القومي من الاراضي اليمنية فان استمرار الحرب بهذه الصورة ادى الى انتقال جزء من التهديد الى البحر والحدود والمنشآت الحيوية والمجال الاقتصادي.

وهنا تصبح معادلة الحرب اكثر تعقيدا فالحسم العسكري الكامل يحتاج الى جبهة يمنية موحدة والى توافق سياسي واسع والى قدرة على تحمل حرب طويلة وهو ما لم يتحقق بصورة كاملة طوال السنوات الماضية.

اما الحوثيون فقد استفادوا من امتلاكهم سلطة امر واقع في مناطق واسعة ومن قدرتهم على اتخاذ القرار العسكري بسرعة ومن استثمار الجغرافيا اليمنية في بناء منظومة ضغط اقليمية.

ولهذا فان التحول من موقع الضعف الى موقع القوة لم يكن نتيجة عامل عسكري واحد وانما نتيجة تراكم طويل من الاخطاء والانقسامات والتحولات الاقليمية
فالتحالف العربي لم يخسر فقط بعض المواقع العسكرية بل خسر جزءا من تماسكه السياسي والعسكري ومع تراجع هذا التماسك تمكن الحوثيون من اعادة بناء صورتهم كقوة قادرة على الردع وفرض الكلفة.

اما السعودية فتجد نفسها اليوم امام معادلة مختلفة تماما عن تلك التي واجهتها في بداية الحرب
فلم يعد السؤال كيف يمكن الوصول الى صنعاء بالقوة فقط بل كيف يمكن وقف التصعيد وحماية الملاحة والمنشآت الحيوية والحفاظ على نفوذها الاقليمي والوصول الى تسوية لا تظهرها في موقع الطرف الذي اضطر الى التراجع تحت ضغط الاستنزاف
وفي هذه النقطة تحديدا تكمن المفارقة الاكبر.

فالسياسة التي كان يفترض ان تؤدي الى عزل الحوثيين ادى استمرارها الى منح الجماعة مساحة اكبر للتحرك فيما ساهمت الخلافات بين حلفاء السعودية في تفكيك جزء من الجبهة التي كان يفترض ان تواجه الحوثيين
وهكذا تحولت اخطاء الماضي الى اوراق قوة في يد الخصم.

وكلما تأخر بناء تسوية سياسية شاملة واعادة ترتيب البيت الداخلي للقوى المناهضة للحوثيين بقيت الجماعة قادرة على استثمار الانقسامات وتحويل الجغرافيا اليمنية والممرات البحرية والقدرات الصاروخية والمسيرات الى ادوات ضغط تتجاوز حدود اليمن.

ومن هنا فان استعادة التوازن لا تبدو مرتبطة فقط بزيادة عدد الطائرات او الصواريخ او عقد اتفاقيات دفاع جديدة بل تحتاج قبل كل شيء الى اعادة بناء تحالف سياسي وعسكري متماسك داخل اليمن والاعتراف بان تفكيك القوى المتحالفة مع السعودية لم يكن في مصلحة الرياض بل منح خصمها فرصة تاريخية للانتقال من موقع الدفاع الى موقع المبادرة.

وهكذا تبدو الحرب اليمنية اليوم امام معادلة جديدة عنوانها ان القوة العسكرية وحدها لم تعد كافية وان تفكك التحالفات يمكن ان يكون اخطر من خسارة معركة وان الخصم الذي كان محاصرا في خنادق محدودة بات قادرا على فتح جبهات متعددة في البحر والجو والبر.

وفي النهاية فان السؤال الذي يفرض نفسه ليس فقط كيف يمكن للسعودية مواجهة الصواريخ والمسيرات والتهديدات البحرية بل كيف يمكنها معالجة الاخطاء السياسية التي ساهمت في وصول المشهد الى هذه المرحلة
لان استمرار معالجة نتائج الازمة من دون معالجة اسبابها قد يعني استمرار انتقال المبادرة من طرف الى اخر بينما يبقى اليمن ساحة مفتوحة لصراع اقليمي طويل لا يبدو ان الحسم العسكري وحده قادر على انهائه.

فيديو