تحليل : عندما يتحول القضاء إلى سلاح سياسي... وتهدد الأحكام المثيرة للجدل ثقة الشعوب بالدولة

دراسات وتحليلات - منذ 6 ساعات

عدن، عين الجنوب|| خاص      
في الدول التي تمر بصراعات سياسية، يبقى القضاء هو الملاذ الأخير الذي يلجأ إليه المواطن طلبًا للعدالة، وهو المؤسسة التي يفترض أن تبقى بمنأى عن التجاذبات والخلافات السياسية. غير أن الجدل يتصاعد كلما صدرت أحكامقضائية بحق ناشطين أو معارضين. سياسيين، إذ يرى منتقدون أن مثل هذه الأحكام قد تُفهم على أنها توظيف للقضاء في إدارة الصراع السياسي بدلاً من الفصل العادل بين الخصوم.
وفي الآونة الأخيرة، أثارت الأحكام الصادرة بحق عدد من النشطاء الجنوبيين موجة واسعة من الانتقادات، حيث اعتبرها مراقبون وسياسيون دليلاً على أزمة ثقة متنامية في استقلالية المؤسسة القضائية. ويرى هؤلاء أن اللجوء إلى القضاء في مواجهة الخصوم السياسيين يفتح الباب أمام تساؤلات كبيرة حول حياد العدالة ومدى قدرتها على البقاء فوق الانقسامات.
ويؤكد منتقدو هذه الأحكام أن القضاء، متى ما تحول إلى أداة للضغط السياسي أو وسيلة لإسكات الأصوات المعارضة، فإنه يفقد أهم مقوماته، وهي الثقة والاستقلال والنزاهة. فالمحاكم، في نظرهم، يجب أن تكون مكانًا لإظهار الحقيقة وإحقاق الحقوق، لا منصة لتصفية الحسابات أو إصدار أحكام يُنظر إليها باعتبارها منحازة لطرف دون آخر.
ويحذر قانونيون من أن أي انطباع بتسييس القضاء قد تكون له آثار بعيدة المدى، ليس فقط على سمعة المؤسسة القضائية، بل على هيبة الدولة نفسها. فالمواطن الذي يفقد ثقته بعدالة القضاء قد يفقد ثقته بمؤسسات الدولة كافة، وهو ما ينعكس على الاستقرار السياسي والاجتماعي.
كما يرى محللون أن استخدام القضاء في سياقات الصراع السياسي يؤدي إلى تعميق الانقسام بدلاً من احتوائه، ويزيد من حالة الاحتقان بين القوى المتنافسة، خصوصًا في البيئات التي تعاني أصلًا من هشاشة مؤسسات الدولة وتداخل السلطات.
وفي المقابل، يؤكد أنصار السلطات القضائية أن الأحكام تصدر وفق الإجراءات القانونية، وأن احترام القضاء يقتضي انتظار مراحل التقاضي كافة، بما في ذلك الطعون والاستئناف، وعدم إصدار الأحكام السياسية المسبقة على عمل المحاكم.
وبين هذا الرأي وذاك، تبقى الحقيقة الثابتة أن استقلال القضاء يمثل حجر الأساس لأي دولة تسعى إلى ترسيخ سيادة القانون. فكلما ابتعد القضاء عن التجاذبات السياسية، ازدادت ثقة المواطنين به، وكلما اقترب منها، اتسعت دائرة الشكوك وازدادت حدة الانقسام.
إن التاريخ يثبت أن الأنظمة التي تحافظ على استقلال القضاء تعزز استقرارها ومشروعيتها، بينما يؤدي تسييس العدالة إلى إضعاف مؤسسات الدولة وتآكل الثقة العامة بها. ولذلك فإن حماية القضاء من أي تأثير سياسي ليست مطلبًا لفئة دون أخرى، بل ضرورة وطنية لضمان العدالة والمساواة وسيادة القانون.
وفي النهاية، فإن قوة الدول لا تُقاس بعدد الأحكام التي تصدرها محاكمها، وإنما بمدى اقتناع الناس بأن تلك الأحكام صدرت وفق القانون، وباستقلال كامل، ومن دون تأثير أو ضغط سياسي. فالقضاء العادل هو صمام أمان الدولة، أما القضاء الذي يفقد ثقة الناس، فإن استعادة تلك الثقة تصبح من أصعب التحديات التي قد تواجه أي نظام سياسي.؟

فيديو