الصراع المتصاعد داخل التحالف المناهض للحوثيين يهدد بتقويض الاستراتيجية الأمريكية في اليمن

العالم بعيون جنوبية - منذ ساعتان

عين الجنوب ||بقلم: برادي نوكس:
مع استمرار الحوثيين في السير على طريق الحرب ضد المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة، يهدد صراع مختلف تماما يتشكل داخل التحالف المناهض للحوثيين في اليمن بإرباك الموقف الأمريكي في المنطقة.

فبينما انخرط الحوثيون في الحروب التي اندلعت بعد 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023 ضد إسرائيل دعما لحركة حماس، ظلت الحرب الأهلية اليمنية التي أوصلت الحوثيين إلى السلطة مجمدة إلى حد كبير عند وقف إطلاق النار المبرم عام 2022.

وفي تطور فاجأ كثيرين، اندلع قتال قصير داخل اليمن أواخر العام الماضي، لكنه لم يكن بين الحوثيين وخصومهم بل بين أكبر خصمين للحوثيين، وهما المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم من الإمارات العربية المتحدة، ومجلس القيادة الرئاسي المدعوم من المملكة العربية السعودية.

وانتهت المواجهة القصيرة عندما مارست السعودية ضغوطا على الإمارات لسحب قواتها من اليمن، ثم دعمت هجومًا خاطفًا أدى إلى إخضاع المجلس الانتقالي الجنوبي السيطرة مجلس القيادة الرئاسي. وبعد ذلك أرسل وفد كبير من المجلس الانتقالي إلى الرياض، حيث ظل محتجزا منذ شهر يناير، وأعلن الوفد حل المجلس الانتقالي الجنوبي.

ومع الهزيمة الواضحة للمجلس الانتقالي، عاد اهتمام المجتمع الدولي إلى الحوثيين وإلى الانقسام الرئيسي في الحرب الأهلية اليمنية. إلا أن الوضع في جنوب شرق اليمن لا يزال بعيدًا عن الاستقرار، فالمجلس الانتقالي، رغم حله على الورق، لا يزال فاعلاً على أرض الواقع.

وقد تمكن العديد من المسؤولين من الفرار من العاصمة عدن قبل سقوطها بيد قوات مجلس القيادة الرئاسي، ويعملون منذ ذلك الحين على حشد الدعم لقضيتهم. وبالتنسيق مع هذه المجموعة الموجودة في المنفى، ازداد الاحتكاك بين أنصار المجلس الانتقالي وقوات مجلس القيادة الرئاسي خلال الأشهر الأخيرة، ما أدى إلى تصاعد التوتر بشكل ملحوظ.

وأجرت صحيفة واشنطن إكزامينر مقابلة مع عمرو البيض، الذي يعرفه المجلس الانتقالي بأنه عضو في هيئة القيادة ورئيس دائرة الشؤون الخارجية، حيث حذر من أن احتمال اندلاع صراع جديد داخل التحالف المناهض للحوثيين يزداد يوما بعد يوم.

وقال البيض عن الوضع الحالي:
"هل سيتجه الأمر نحو تصعيد عسكري؟ حتى الآن موقفنا هو لا. نحن لا نريد ذلك. لكن هل يبقى هذا الاحتمال قائما؟ بالتأكيد، نعم، قد يحدث."
وقال محمد الباشا، وهو محلل يمني مقيم في واشنطن ومسؤول يمني سابق، لصحيفة واشنطن إكزامينر إن اندلاع حرب أهلية جديدة بين المجلس الانتقالي الجنوبي ومجلس القيادة الرئاسي ليس مرجحًا في الوقت الحالي، في ظل تصاعد المواجهة مع الحوثيين.

إلا أنه حذر من أن ذلك قد يصبح سيناريوا واردا في المستقبل".
الصراع المتصاعد داخل التحالف المناهض للحوثيين يهدد بتقويض الاستراتيجية الأمريكية في اليمن إعادة إحياء القضية الجنوبية
انضم البيض إلى المجلس الانتقالي الجنوبي عام 2023، وهو ما منح المجلس قدرًا أكبر من الشرعية، نظرًا للمكانة السياسية لعائلته.

فقد كان والده آخر رئيس لدولة الجنوب، وإحدى الشخصيات الرئيسية التي شاركت في تحقيق الوحدة اليمنية مطلع تسعينيات القرن الماضي. وبعد الوحدة، شغل منصب نائب رئيس الجمهورية حتى هزيمته في حرب عام 1994، الأمر الذي دفع العائلة إلى المنفى.

واليوم، وبعد مرور 32 عامًا، يجد البيض نفسه في المنفى مرة أخرى.

وبصفته أحد أبرز الأصوات المدافعة عن القضية الجنوبية، كما يُطلق على حركة المطالبة باستقلال جنوب اليمن، لا يستطيع العودة إلى عدن، إذ تمنعه السعودية من ذلك إلى أن يؤدي ما وصفه بـ"التعهد" في الرياض.
ويقول إنه ينشط حاليا في الدفاع عن القضية الجنوبية من لندن وأبوظبي، حيث يقسم وقته بين المدينتين.

ويشارك عدد كبير من قيادات المجلس الانتقالي الجنوبي الوضع نفسه، إذ تمكنوا من مغادرة اليمن قبل سيطرة قوات مجلس القيادة الرئاسي.
وبعد وفاة الرئيس الجنوبي السابق في وقت سابق من هذا العام، أصبح البيض الوريث السياسي الأبرز لاسم العائلة باعتباره الابن الوحيد المنخرط في العمل السياسي.

وقال:
"كنت جزءًا من هذه الحركة منذ البداية، منذ أن كنت طفلا ... لقد نشأت داخل صفوفها."
وأضاف أن القضية الجنوبية أصبحت جزءًا من الحمض النووي لعائلته.
وكان البيض يشغل منصبه القيادي داخل المجلس الانتقالي عندما أطلق المجلس هجومه الخاطف في شرق اليمن وسيطر خلاله على مساحات واسعة من الأراضي الخاضعة لمجلس القيادة الرئاسي، دون مقاومة تذكر.

وأكد أن الهدف من العملية كان أن مجلس القيادة الرئاسي لم يعد قادرًا على فرض السيطرة على تلك المناطق، وأن تنظيم القاعدة والحوثيين كانوا يستخدمونها لتهريب الأسلحة.
وأشار إلى أن العملية لم تكن موجهة ضد السعودية.

وقال:
"لم نكن نستهدف المملكة العربية السعودية. نحن لم نطلق أي صواريخ باتجاه السعودية."
وأضاف أن الهدف من العملية كان استخدامها كنقطة انطلاق لشن حملة أكثر فاعلية ضد الحوثيين.
وأوضحت صحيفة واشنطن إكزامينر أنها تواصلت مع السفارة السعودية ومع مجلس القيادة الرئاسي للحصول على تعليق.
ومهما كانت الدوافع، فقد اعتبرت السعودية ومجلس القيادة الرئاسي ومعظم حلفائهما الغربيين أن الهجوم كان تحركا غير مبرر جرى تنفيذه بدفع من الإمارات بهدف توسيع نفوذها داخل اليمن.
وأدى إنذار سعودي إلى انسحاب كامل للقوات والنفوذ الإماراتي من اليمن، الأمر الذي ترك المجلس الانتقالي في مواجهة قوة أكبر بكثير ومدعومة دوليا.

ورفض البيض وبقية قيادات المجلس الانتقالي إعلان الحل الصادر في يناير، واعتبروه غير شرعي.
وقال:
"تحت الإكراه اضطروا إلى إعلان حل المجلس الانتقالي، لكنهم لا يملكون الحق في ذلك، ولا يملكون التفويض لاتخاذ هذا القرار."

وأضاف:
"لذلك ما زالت منظمتنا تعمل، وما زالت قائمة وذات صلة. نحن نواصل عملنا من عدن ومن جميع محافظات الجنوب، وأنا شخصيًا ما زلت أتحرك دوليًا بين العواصم الأوروبية وواشنطن. ولذلك ما زلنا فاعلين."

جنوب اليمن ... برميل بارود قابل للانفجار
منذ تحقيق الوحدة اليمنية، ظل سكان جنوب اليمن يشكون من تعرضهم للتهميش من قبل الحكومة في صنعاء.
ولعب المقاتلون المنتمون إلى القضية الجنوبية دورا بارزا في الحرب الأهلية اليمنية، حيث برزوا باعتبارهم من أكثر القوى العسكرية فاعلية ضمن التحالف المناهض للحوثيين.
وفي الوقت الذي عانت فيه الحكومة المدعومة من السعودية من صعوبة في تحقيق تقدم ضد الحوثيين، اكتسب المجلس الانتقالي الجنوبي، المدعوم من الإمارات، سمعة باعتباره قوة عسكرية فعالة بصورة استثنائية، إذ لم يقتصر دوره على وقف تقدم الحوثيين، بل تمكن أيضًا من دفعهم للتراجع عن عدد من المناطق الاستراتيجية المهمة.

وكانت الإمارات تتولى دفع رواتب مقاتلي المجلس الانتقالي، لكن بعد خروجها الكامل من اليمن، كان من المفترض أن تنتقل هذه المسؤولية إلى السعودية.
وقال البيض إن المقاتلين يتقاضون رواتبهم "بشكل أو بآخر"، لكنها "ليست كاملة"، كما أصبحت عملية صرفها خاضعة لسيطرة مجلس القيادة الرئاسي.
وكان السفير السعودي لدى اليمن قد أعلن في منتصف يناير عن تقديم منحة بقيمة 90 مليون دولار لتغطية رواتب موظفي القطاع العام ومنتسبي الأجهزة الأمنية.

لكن البيض أكد أن "ولاء" هؤلاء الجنود لا يزال للقضية الجنوبية."
وأشار إلى أن جزءًا من حالة المرارة يعود إلى المعارك التي شهدها شهرا ديسمبر ويناير، والتي، رغم أنها كانت أقل دموية مقارنة بجبهات الحرب الأخرى في اليمن، أسفرت عن مقتل عشرات من مقاتلي وقادة المجلس الانتقالي.

وأضاف أن ما وصفه بـ"حملة الملاحقة" ضد قيادات القضية الجنوبية تصاعدت منذ سيطرة مجلس القيادة الرئاسي.
وقال:
"ما زالوا يلاحقون قياداتنا على الأرض، ويحاولون حظرنا وإغلاق مكاتبنا. لذلك لا توجد ثقة بيننا وبين السعوديين، ولهذا السبب ليست لدينا أي علاقة معهم. وما زلنا بعيدين عن إعادة بناء هذه العلاقة."

وتشير الصحيفة إلى أن مصادر مستقلة تؤكد وجود تصاعد في الملاحقات والإجراءات الأمنية ضد شخصيات مرتبطة بالمجلس الانتقالي.
ففي الأول من أبريل، رفع مدير أمن عدن مذكرة إلى النائب العام في مجلس القيادة الرئاسي، القاضي قاهر مصطفى، طالب فيها بإصدار أوامر قبض بحق عدد من قيادات المجلس الانتقالي، متهما إياهم "بارتكاب جرائم جسيمة" وتهديد الأمن والاستقرار، وهي اتهامات رفضها المجلس الانتقالي.

كما استخدمت القوات العسكرية لقمع بعض الاحتجاجات، وذكرت منظمة هيومن رايتس ووتش أن ستة متظاهرين قتلوا خلال شهر فبراير وحده.

الإسلاميون ... إحدى نقاط الخلاف الرئيسية
وتوضح الصحيفة أن أحد أبرز أسباب التوتر بين المجلس الانتقالي ومجلس القيادة الرئاسي يتمثل في دور التيارات الإسلامية.
فالمجلس الانتقالي يتبنى توجها أكثر علمانية ويعارض الجماعات الإسلامية، مثل جماعة الإخوان المسلمين، في حين يضم مجلس القيادة الرئاسي شخصيات محسوبة على تلك التيارات.
وقال البيض إنه لسد الفراغ الذي خلفه تراجع المجلس الانتقالي، استعانت السعودية ومجلس

القيادة الرئاسي:
"بمجموعات أكثر قربا من جماعة الإخوان المسلمين، وبجماعات سلفية تشكل مصدر قلق حقيقي بالنسبة لأمننا."
وأضاف أن معظم القيادات التي جرى تعيينها في تلك المناطق تنتمي إلى التيار السلفي أو ترتبط بجماعة الإخوان المسلمين."

الاحتجاجات واحتمالات التصعيد
تشير الصحيفة إلى أن توصيف البيض للاحتجاجات يتوافق إلى حد كبير مع تقرير صادر عن مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية، والذي وصف النهج السعودي بأنه يعتمد على إعادة هيكلة تفرض من أعلى إلى أسفل، عبر تمكين مسؤولين تابعين لمجلس القيادة الرئاسي لإدارة الجنوب، دون وجود ارتباط حقيقي بالمجتمع الجنوبي.
وأضاف التقرير أن قادة تابعين لمجلس القيادة الرئاسي جرى تعيينهم للإشراف على وحدات كانت تتبع المجلس الانتقالي، كما جرى تفكيك هذه الوحدات وإعادة تنظيمها.

كما أشارت الصحيفة إلى استمرار الاحتجاجات في عدن ومناطق جنوبية أخرى، حيث خرج آلاف المتظاهرين وهم يرفعون أعلام الجنوب ويرددون شعارات مؤيدة للقضية الجنوبية.

وقدم البيض مؤشرًا مختلفًا لقياس حجم حالة السخط الشعبي، يتمثل في الثقافة الشعبية والشعر الجنوبي.
وقال:
"لا يكفي أن تتصالح السعودية مع قيادة الجنوب، بل عليها أن تتصالح مع الشعب الجنوبي، لأن الوضع في الجنوب أصبح يتجه بصورة متزايدة نحو العداء للسعودية. ويمكن ملاحظة ذلك في الأغاني والشعر، فقد أصبح معاداة السعودية جزءًا من الثقافة، وهذا أمر مؤسف."

وأوضح المقال أن المجلس الانتقالي، إدراكًا منه للهزيمة التي تعرض لها في يناير والمحدودية موقعه العسكري، يتصرف بحذر.
وقدر البيض عدد قوات مجلس القيادة الرئاسي بنحو 200 ألف مقاتل، مقابل نحو 80 ألف مقاتل للمجلس الانتقالي.

وأشار إلى أن المجلس بدأ تنفيذ ما وصفه بـ "برنامج تصعيد سلمي" خلال الأشهر المقبلة، يتمثل حتى الآن في تنظيم احتجاجات شعبية يومية.

وقال:
"ما يقلقنا هو الطريقة التي يردون بها، باستخدام القوة والعنف ضد شعبنا."
وأضاف:
"إذا استمر هذا الوضع لفترة طويلة، فمن المحتمل أن يتحرك العسكريون، وعندها قد ينشأ تمرد مسلح."
كما قال إن بعض القادة العسكريين الجنوبيين الذين ما زالوا ضمن القوات المعاد هيكلتها أصبحوا يشعرون بالإحباط بسبب الأوامر التي يتلقونها.
وأضاف:
"يشعرون بالإحباط من الأوامر التي تعطيها لهم السعودية، والتي تتمثل في قتل شعبنا أو اعتقاله، ومنع حرية التعبير عنه."

قضية الحوثيين
يرى المقال أن الخلاف الفكري الآخر بين المجلس الانتقالي والسعودية ومجلس القيادة الرئاسي يتمحور حول كيفية التعامل مع الحوثيين.
فالمجلس الانتقالي يتبنى، بحسب المقال نهجا متشددًا يقوم على ممارسة أقصى درجات الضغط على الحوثيين.
أما السعودية ومجلس القيادة الرئاسي، فيعتبرهما المجلس الانتقالي أكثر ميلاً إلى استرضاء الحوثيين.
وادعى البيض أن أحد أسباب عدم انخراط الحوثيين في الحرب الإقليمية لفترة معينة هو أن السعودية كانت تدفع لهم، بحسب قوله، نحو 300 مليون دولار من أجل "تهدئة الحوثيين".
وأشار المقال إلى أن جولات البيض في العواصم الغربية تهدف إلى تقديم موقف المجلس الانتقالي باعتباره أكثر انسجاما مع المصالح الأمريكية من سياسة الاسترضاء التي تتبعها السعودية.

وقال:
"هذا يتناقض تماما مع السياسات الأمريكية في الشرق الأوسط، حيث يجري تهميش الفاعل السياسي والعسكري الرئيسي المناهض للحوثيين، وهو المجلس الانتقالي الجنوبي، بينما يجري في الوقت نفسه تمكين الحوثيين... وكذلك تمكين جماعة الإخوان المسلمين والجماعات السلفية داخل الحكومة اليمنية."
كما وجه البيض نداء مباشرًا إلى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، معتبرا أن:
"جميع مواقف ترامب تتوافق مع مواقفنا، خصوصًا فيما يتعلق بمعارضة الحوثيين وجماعة الإخوان المسلمين."
وأضاف أنه يدرك أن الولايات المتحدة منشغلة حاليا "بمضيق هرمز"، لكنه شدد على أن مضيق باب المندب لا يقل أهمية.
وللتعامل بفاعلية مع الحوثيين، دعا إلى إعادة إشراك الإمارات في المواجهة، إلى جانب أطراف إقليمية أخرى مثل مصر، وعدم إبقاء الملف اليمني خاضعًا بشكل حصري للنفوذ السعودي.
واعتبر أن الحوثيين أصبحوا اليوم في موقع أقوى نتيجة ما وصفه بسياسة الاسترضاء السعودية.

وختم البيض حديثه بالقول:
"لا يمكننا القيام بذلك بمفردنا، ولا يستطيع أي طرف أن ينجح بمفرده. فالضربات الجوية وحدها ليست حلا، كما أن القوات البرية وحدها ليست حلا."
وأضاف:
"نحن بحاجة إلى استراتيجية شاملة تمكننا من محاصرة الحوثيين في الشمال، وقطع مصادر تمويلهم وإغلاق طرق التهريب أمامهم، وخنقهم اقتصاديًا، وتنفيذ حملة عسكرية بالشكل الصحيح، وبالعناصر المناسبة."

وبعد وقت قصير من إجراء المقابلة مع عمرو البيض، بدأ الحوثيون في استهداف حركة الملاحة في البحر الأحمر، وهو ما أعاد تركيز الولايات المتحدة على اليمن، وإن كان ذلك من زاوية مواجهة الحوثيين فقط، دون الالتفات إلى الانقسامات داخل المعسكر المناهض لهم.

فيديو