السعودية وصناعة التحالفات الهشه .. هل تحمي الأموال أمن المملكة أم تكشف هشاشة منظومة الدفاع؟

تقارير - منذ 3 ساعات

عدن || عين الجنوب || خاص:
في عالم تتشابك فيه المصالح السياسية والعسكرية، أصبحت السعودية تعتمد بصورة متزايدة على بناء التحالفات والشراكات العسكرية والأمنية تحت عنوان حماية أمنها القومي ومواجهة التهديدات الإقليمية. غير أن التجارب المتراكمة خلال السنوات الماضية تطرح سؤالًا جوهريًا: هل تستطيع التحالفات الخارجية، مهما بلغ حجمها، أن توفر لدولة ما أمنًا حقيقيًا ومستدامًا، أم أن الأمن القومي يبدأ وينتهي بقدرة أبناء الدولة على حماية وطنهم والدفاع عن مصالحه؟
فالأصل في مفهوم الأمن القومي أن تكون الدولة قادرة على حماية أراضيها ومجالها الجوي والبحري ومصالحها الاستراتيجية اعتمادًا أولًا على قدراتها الذاتية، ثم الاستفادة من التحالفات الخارجية باعتبارها عاملًا مساعدًا، لا بديلًا عن بناء منظومة دفاع وطنية متماسكة. أما تحويل الحماية الخارجية إلى ركيزة أساسية للأمن، فإنه قد يجعل الدولة رهينة لحسابات القوى الكبرى ومصالحها المتغيرة.
وخلال السنوات الماضية، أنفقت دول خليجية، وفي مقدمتها السعودية، مليارات الدولارات على شراء منظومات دفاعية متطورة وإبرام اتفاقيات عسكرية وأمنية مع الولايات المتحدة ودول غربية أخرى، فضلًا عن المشاركة في تحالفات إقليمية ودولية متعددة. ورغم ضخامة هذه الاستثمارات، فإن تطورات الصراعات الإقليمية أظهرت أن امتلاك أحدث الأسلحة لا يعني بالضرورة امتلاك القدرة الكاملة على منع الهجمات أو حماية كل الأهداف الحيوية.
وتكشف تجارب المواجهات الإقليمية أن منظومات الدفاع الجوي والصاروخي، مهما بلغت كفاءتها، ليست حصنًا مطلقًا، وأن الاعتماد على قوة خارجية لحماية المجال السيادي يحمل في داخله قدرًا من المخاطرة. فالدولة التي تنفق مليارات الدولارات على الحماية الخارجية قد تكتشف، عند اندلاع أزمة حقيقية، أن حلفاءها يضعون حساباتهم ومصالحهم الخاصة قبل أي التزام آخر.
وهنا تبرز إشكالية التحالفات التي تصنعها السعودية تحت شعار حماية أمنها القومي. فكل تحالف جديد لا يعني بالضرورة إضافة حقيقية إلى قوة الدولة، خصوصًا إذا كان قائمًا على ردود فعل مؤقتة أو على ترتيبات سياسية لا تمتلك آليات دفاع مشتركة واضحة وملزمة. وقد تتحول بعض التحالفات، بدلًا من أن تكون مصدر قوة، إلى عبء سياسي ومالي وأمني يستنزف الموارد دون تحقيق النتائج التي أُنشئت من أجلها.
والسؤال الأكثر أهمية هو: لماذا تحتاج دولة تمتلك موارد مالية هائلة، ومساحة جغرافية واسعة، وإمكانات عسكرية متقدمة، إلى تشكيل تحالفات متتالية لحماية أمنها، بدلًا من الاستثمار بصورة أكبر في بناء قوة دفاع وطنية متكاملة قادرة على التعامل مع مختلف التهديدات؟
لا يعني ذلك بطبيعة الحال أن التحالفات الدولية عديمة القيمة. فحتى أكبر القوى العالمية تعتمد على الشراكات العسكرية والأمنية، لكن الفارق يكمن في أن التحالف بالنسبة للدول القوية يمثل إضافة إلى قدراتها الذاتية، وليس البديل عنها. ولذلك فإن أي دولة تريد حماية أمنها القومي بصورة مستدامة تحتاج قبل كل شيء إلى بناء جيش محترف، وتطوير صناعاتها الدفاعية، وتعزيز قدراتها الاستخباراتية، وتأمين حدودها ومجالها الجوي والبحري، وتطوير منظومة قيادة وسيطرة مستقلة وفعالة.
أما الاعتماد المفرط على قوة عظمى، مهما كانت مكانتها، فيخلق معادلة غير متوازنة؛ إذ يصبح أمن الدولة مرتبطًا بقرار سياسي يصدر خارج حدودها. وقد تتغير الأولويات الأمريكية أو الأوروبية من إدارة إلى أخرى، وقد تتبدل الحسابات الاستراتيجية للقوى الكبرى وفقًا للأزمات الدولية، بينما تبقى الدولة التي تعتمد عليها مطالبة بالتعامل مع نتائج تلك التحولات.
وتجارب الشرق الأوسط خلال السنوات الأخيرة تقدم درسًا مهمًا في هذا السياق. فقد أثبتت الصراعات الإقليمية أن التفوق العسكري لا يمنع بالضرورة وصول الصواريخ والطائرات المسيّرة إلى أهداف بعيدة، وأن الحماية الجوية المطلقة أمر غير موجود عمليًا. كما أظهرت الهجمات المتبادلة أن أكثر الدول امتلاكًا للمنظومات الدفاعية الحديثة يمكن أن تواجه تحديات حقيقية عندما تتعرض لهجمات واسعة ومتعددة الاتجاهات.
ومن هنا، فإن القضية لا تتعلق بعدد الطائرات أو البطاريات الصاروخية أو حجم الإنفاق العسكري فقط، وإنما بمدى قدرة الدولة على إدارة معركة دفاعية شاملة، بدءًا من جمع المعلومات والاستخبارات، مرورًا بالإنذار المبكر، وانتهاءً بقدرتها على اتخاذ القرار والرد بصورة مستقلة ومدروسة.
والأخطر من ذلك أن الإنفاق الضخم على شراء الحماية الخارجية قد يخلق وهمًا بالأمان، بينما الأمن الحقيقي يحتاج إلى بناء مؤسسات وطنية قوية، واقتصاد قادر على تمويل الدفاع، ومجتمع يشعر بأن حماية الوطن مسؤولية مشتركة، وقوات مسلحة تمتلك العقيدة والقدرة والإرادة للدفاع عن البلاد.
إن الأموال التي تُدفع للقوى الكبرى مقابل اتفاقيات الحماية والتسليح قد تمنح الدولة قدرًا من الردع، لكنها لا تستطيع وحدها أن تضمن أمنًا دائمًا. فالقوة الخارجية قد تقدم الدعم في لحظة معينة، لكنها لن تكون موجودة بالضرورة في كل مواجهة، ولن تخوض كل حرب بالنيابة عن الدولة، كما أن قرار التدخل العسكري سيظل مرتبطًا بحسابات الطرف الآخر ومصالحه.
ولهذا فإن الرهان الحقيقي ينبغي أن يكون على الإنسان قبل السلاح، وعلى بناء المؤسسات قبل عقد التحالفات، وعلى تطوير القدرات الوطنية قبل شراء الضمانات السياسية.
وفي الحالة السعودية تحديدًا، فإن استمرار صناعة التحالفات الإقليمية والدولية يستدعي مراجعة جدوى هذه السياسة، ليس من زاوية عدد الدول المشاركة فيها، وإنما من زاوية النتائج التي تحققها على الأرض. فالمعيار الحقيقي لأي تحالف ليس عدد أعضائه ولا حجم البيانات السياسية الصادرة عنه، وإنما قدرته الفعلية على منع التهديدات وحماية أمن الدول المشاركة فيه.
وقد تتحول التحالفات المتعددة، إذا لم تستند إلى أهداف واضحة وآليات تنفيذ حقيقية، إلى مجرد مظلات سياسية تحمل عناوين كبيرة، بينما تبقى المخاطر الأمنية قائمة.
إن الأمن القومي لا يُشترى بالكامل بالمال، ولا يُستأجر من الخارج، ولا يمكن ضمانه بمجرد توقيع اتفاقيات عسكرية مع قوى كبرى. او حتى دول عربيه واسلاميه كما حدث مؤخرا مع باكستان وتركياالأمن الحقيقي هو منظومة متكاملة تبدأ من الداخل، من بناء الدولة ومؤسساتها وقواتها المسلحة وقدراتها الاقتصادية والاستخباراتية والتقنية، ثم تأتي التحالفات الخارجية لتدعم هذه المنظومة وتعززها.
وفي النهاية، قد يكون الدرس الأهم الذي تفرضه حروب المنطقة هو أن الدولة التي تريد حماية أمنها لا ينبغي أن تضع كل بيضها في سلة الحليف الخارجي. فالحلفاء قد يتغيرون، والمصالح قد تتبدل، والاستراتيجيات قد تتغير، لكن الوطن يبقى، وأبناء الوطن هم القوة الأكثر ثباتًا في معادلة الدفاع عنه.
وبين صناعة تحالف جديد تلو الآخر، وإنفاق مليارات الدولارات على منظومات التسليح والحماية، يبقى السؤال مفتوحًا أمام الرياض: هل حان الوقت لإعادة تعريف مفهوم الأمن القومي، والانتقال من سياسة شراء الحماية إلى بناء قدرة وطنية تجعل التحالفات عامل قوة إضافيًا، لا خط الدفاع الأول؟
فالأمن الذي لا تستطيع الدولة أن تحميه بنفسها، مهما كثرت الاتفاقيات ومهما تعددت التحالفات، سيظل أمنًا ناقصًا وقابلًا للاهتزاز عند أول اختبار حقيقي.

فيديو