التقارب السعودي الإماراتي واعاده ترتيب أوراق الجنوب.. هل فرضت تطورات الحرب معادلة جديدة؟

تقارير - منذ 3 ساعات

عين الجنوب|| خاص                   

تدخل الساحة السياسيه مرحلة جديدة تتداخل فيها التطورات العسكرية مع التحركات السياسية والإقليمية، في وقت يبدو فيه أن العلاقة بين الرياض وأبوظبي تتجه نحو فتح صفحة مختلفة بعد فترة من التوتر والخلاف حول إدارة الملف اليمني. ويأتي هذا التقارب في لحظة شديدة الحساسية، مع تصاعد التهديدات الحوثية وتزايد المخاوف المرتبطة بأمن البحر الأحمر وباب المندب، الأمر الذي يعيد طرح سؤال أساسي حول مستقبل المعادلة السياسية والأمنية في الجنوب.
وتزامن التحرك السعودي الإماراتي الأخير مع زيارة نائب رئيس دولة الإمارات الشيخ منصور بن زايد إلى السعودية ولقائه مسؤولين سعوديين، في أول زيارة إماراتية رفيعة المستوى منذ بروز الخلافات بين البلدين على خلفية تطورات الملف اليمني. وبحسب ما أوردته رويترز، جاءت الزيارة في ظل تصاعد الهجمات الحوثية، وتركزت المباحثات على التطورات الإقليمية وسبل تعزيز التعاون بين البلدين.
هذه التطورات تفتح الباب أمام قراءة مختلفة للمشهد اليمني؛ فسنوات الحرب أظهرت أن إدارة الملف من خلال ترتيبات سياسية منفصلة عن موازين القوى على الأرض لم تكن كافية لإنتاج استقرار طويل الأمد. كما أن تعدد القوى العسكرية والسياسية داخل المعسكر المناهض للحوثيين جعل عملية اتخاذ القرار أكثر تعقيداً، وهو ما دفع عدداً من مراكز الدراسات إلى الحديث عن ضرورة إعادة تنظيم البنية السياسية والأمنية بما يتناسب مع التطورات الميدانية.
وفي هذا السياق، يرى محللون أن عودة التنسيق بين الرياض وأبوظبي قد لا تكون مجرد محاولة لتجاوز الخلافات السابقة، وإنما استجابة لمتغير أمني أوسع فرضته التطورات الحوثية. فالممرات البحرية المحاذية لليمن، وفي مقدمتها باب المندب وخليج عدن، تمثل جزءاً حساساً من أمن التجارة الدولية، وأي تصعيد عسكري فيها ينعكس على حسابات القوى الإقليمية والدولية. وقد أشارت تحليلات منشورة خلال العام الجاري إلى أن أمن البحر الأحمر أصبح عاملاً مركزياً في إعادة ترتيب المواقف تجاه الحرب اليمنية.
لكن السؤال الأكثر تعقيداً يبقى متعلقاً بالجنوب، الذي ظل خلال سنوات الحرب أحد أبرز ميادين التنافس بين القوى المحلية والإقليمية. فقد أنتجت السنوات الماضية واقعاً سياسياً وعسكرياً متشابكاً، شاركت فيه قوى جنوبية متعددة، إلى جانب الحكومة اليمنية وداعميها الإقليميين، بينما ارتبطت بعض التشكيلات بعلاقات دعم مختلفة مع الرياض وأبوظبي.
وتشير دراسة لمعهد الشرق الأوسط إلى أن التواجد السعودي داخل اليمن ساهم في تعميق الانقسام داخل المعسكر المناهض للحوثيين، وأن أي ترتيبات سياسية جديدة لن تكون قابلة للاستمرار ما لم تترافق مع معالجة للترتيبات الأمنية والعسكرية. كما ترى الدراسة أن إشراك القوى الجنوبية في أي تسوية سياسية يمثل عاملاً مهماً لتجنب عودة التوتر.
ومن هنا، فإن التقارب السعودي الإماراتي يطرح سؤالاً أبعد من حدود العلاقة الثنائية بين البلدين: هل تتجه الرياض وأبوظبي إلى إعادة تعريف أدوارهما في اليمن، أم أن الأمر يقتصر على تنسيق أمني مرحلي فرضته المخاطر المشتركة؟
المؤشرات الحالية لا تقدم إجابة نهائية، لكنها تكشف عن تغير في الأولويات. فبعد سنوات من التنافس على النفوذ، تبدو مواجهة التهديدات الإقليمية وأمن الحدود والممرات البحرية أكثر حضوراً في حسابات الطرفين. وتذهب بعض التحليلات إلى أن عودة التنسيق بين الرياض وأبوظبي قد تساعد في توحيد الجهود العسكرية والسياسية ضد الحوثيين، لكنها في الوقت نفسه تضع مستقبل الترتيبات الجنوبية أمام اختبار سياسي جديد.
فالجنوب لم يعد مجرد ملف أمني منفصل، بل أصبح جزءاً من معادلة أوسع ترتبط بأمن السواحل والموانئ والممرات البحرية وبمستقبل التسوية اليمنية. ولهذا فإن أي محاولة لإعادة ترتيب المشهد دون معالجة جذور الخلافات السياسية في الجنوب قد تنتج ترتيبات مؤقتة بدلاً من حل مستدام.
وتشير تقديرات بحثية حديثة إلى أن الرياض تعمل على إعادة تنظيم المنظومة الأمنية والعسكرية في المناطق الجنوبية، في إطار مسعى لتوحيد سلاسل القيادة وإعادة بناء الترتيبات الأمنية. وفي الوقت نفسه، تلفت دراسات أخرى إلى أن تعدد القوى الجنوبية واختلاف رؤاها السياسية في الوقت الذي تتفق غالب الرؤي على حق شعب الجنوب في استعادة دولته مما يجعل التمثيل الجنوبي موحد في الخطوط العريضة التي تتعلق ومستقبل الجنوب 
وهنا تبرز معادلة شديدة الحساسية: فالسعي إلى توحيد المؤسسات والقوات قد يحقق هدفاً يتعلق بالاستقرار الأمني، ويحسم بمفرده الأسئلة السياسية المرتبطة بمستقبل الجنوب وتمثيله في أي مفاوضات قادمة. ولذلك فإن الترتيب الأمني، مهما كان حجمه، يحتاج إلى مسار سياسي موازٍ يأخذ في الاعتبار تعدد القوى الجنوبية ومطالبها واختلاف تصوراتها بشأن شكل الدولة ومستقبل العلاقة بين الشمال والجنوب.
كما أن التحولات الأخيرة تضع الحكومة اليمنية أمام اختبار آخر يتعلق بقدرتها على استعادة دور مؤسساتها في ظل استمرار تعدد مراكز النفوذ. فقد أظهرت تجربة السنوات الماضية أن إعادة توزيع المناصب والهياكل لا تكفي وحدها لإنهاء الانقسامات، ما لم تترافق مع توافق سياسي واضح وترتيبات أمنية قابلة للتنفيذ.
وفي المقابل، فإن أي تقارب سعودي إماراتي جديد سيظل مرتبطاً بمدى قدرته على إنتاج سياسة مشتركة تجاه الحوثيين، خصوصاً أن التطورات العسكرية والأمنية في البحر الأحمر وخليج عدن باتت تضغط باتجاه تنسيق إقليمي أكبر. وقد أشارت تقارير حديثة إلى أن تصاعد الهجمات الحوثية كان أحد العوامل التي دفعت الرياض وأبوظبي إلى استئناف التواصل رفيع المستوى.
وبذلك تبدو معادلة الجنوب أمام مرحلة مختلفة؛ مرحلة قد لا يكون فيها السؤال فقط حول من يسيطر على الأرض، وإنما حول كيفية تحويل الوقائع العسكرية إلى ترتيبات سياسية قابلة للحياة. فالتجارب السابقة أظهرت أن تجاهل القوى الفاعلة على الأرض يمكن أن يعرقل أي تسوية، بينما يؤدي فرض ترتيبات سياسية دون توافق محلي إلى إعادة إنتاج الصراع بأشكال جديدة.
وفي المحصلة، فإن التقارب السعودي الإماراتي قد يشكل بداية لإعادة ترتيب أوسع للملف اليمني، لكن نجاحه سيعتمد على طبيعة التفاهمات التي ستنتج عنه، وعلى مدى قدرتها على الجمع بين ثلاثة مسارات مترابطة: مواجهة الحوثيين، وإعادة تنظيم الوضع الأمني والعسكري، ومعالجة القضايا السياسية التي ظلت سبباً رئيسياً لاستمرار الانقسام.
أما الجنوب، فيبدو أنه سيكون أحد أبرز الاختبارات أمام أي معادلة جديدة؛ إذ إن استقرار المنطقة لن يرتبط فقط بالتفاهم بين العواصم الإقليمية، وإنما أيضاً بقدرة الأطراف اليمنية والجنوبية على الوصول إلى ترتيبات سياسية تحظى بقبول كافٍ وتتعامل مع الواقع الذي تشكل خلال أكثر من عقد من الصراع.
ومن هذه الزاوية، فإن التقارب السعودي الإماراتي لا يعني بالضرورة أن معادلة الجنوب قد حُسمت،بالكامل بل ربما يعني أن مرحلة جديدة من إعادة التفاوض حولها قد بدأت، وأن ما ستنتجه هذه المرحلة سيحدد إلى حد كبير شكل المشهد السياسي والأمني في الجنوب وفي اليمن خلال السنوات المقبلة.

فيديو