1.32 مليون دولار لتلميع صورة السلطة في واشنطن.. أموال العلاقات العامة في مواجهة أزمات الداخل

تقارير - منذ 1 ساعة

عين الجنوب|| خاص                   

في وقت تتفاقم فيه الأزمات الاقتصادية والخدمية، وتزداد معاناة المواطنين جراء تراجع القدرة الشرائية وتأخر المرتبات وضعف الخدمات الأساسية، يفتح الكشف عن عقد للعلاقات العامة والاتصالات الاستراتيجية في العاصمة الأمريكية واشنطن باباً واسعاً للتساؤلات حول أولويات الإنفاق الرسمي، وحجم الموارد التي تُخصص لتحسين صورة السلطة في الخارج مقارنة بما يُنفق لمعالجة الأزمات التي يعيشها المواطن في الداخل.
وتشير وثائق رسمية أمريكية إلى تعاقد الحكومة اليمنية مع شركة Geopolitical Solutions LLC لتقديم خدمات اتصالات استراتيجية وعلاقات إعلامية لصالح السفارة، في اتفاق دخل حيز التنفيذ في 14 سبتمبر 2026. ويتضمن نطاق العمل تقديم المشورة في مجال الاتصالات الاستراتيجية، ومراقبة وتحليل وسائل الإعلام التقليدية والرقمية ومنصات التواصل الاجتماعي، إلى جانب إدارة العلاقات مع وسائل الإعلام وأصحاب المصلحة والتنسيق مع مستشارين وشركات أخرى.
وتبرز في الوثائق عبارات مرتبطة بإدارة التصور والعلاقات العامة وإعداد ونشر المواد الإعلامية، وهي مهام تعكس توجهاً واضحاً نحو إدارة الصورة السياسية والإعلامية للجهة المتعاقدة في دوائر صنع القرار والإعلام الأمريكي.
وبحسب تفاصيل العقد المتداولة، تبلغ الأتعاب الأساسية نحو 110 آلاف دولار شهرياً، فيما حُددت مدة الاتفاق المعلنة بخمسة أشهر، بما يعني نحو 550 ألف دولار خلال تلك الفترة. وإذا جرى احتساب التكلفة على أساس سنوي، فإن الرقم يصل إلى نحو 1.32 مليون دولار، وهو مبلغ يفتح الباب أمام نقاش واسع حول طبيعة الإنفاق الخارجي في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي تمر بها البلاد.
وتزداد حساسية المسألة عندما توضع هذه الأرقام في مواجهة الواقع المعيشي والخدمي. فالمواطن لا يتعامل يومياً مع صورة السلطة في واشنطن بقدر ما يتعامل مع فاتورة الكهرباء، وأسعار الغذاء، وتراجع قيمة العملة، وتأخر المرتبات، وضعف الخدمات العامة، فضلاً عن تداعيات الأزمة الاقتصادية التي ألقت بثقلها على مختلف القطاعات.
كما تظهر في سجلات وزارة العدل الأمريكية أسماء ضمن الفريق المكلف بتقديم خدمات العلاقات العامة والاتصالات، من بينهم مايكل بيتروتسيللو، الذي سبق أن عمل في قطاع العلاقات العامة في واشنطن، إلى جانب عدد من المختصين الآخرين. وتقدم الشركة نفسها باعتبارها مؤسسة تعمل في مجال الاتصالات الاستراتيجية والعلاقات العامة.
ولا يعني وجود مثل هذا العقد، في حد ذاته، أن جميع موارده أُنفقت بصورة غير مشروعة أو أن أهدافه تتجاوز ما ورد في الاتفاق، لكن طبيعة الخدمات وقيمة الأتعاب تضعان مسألة الأولويات أمام الرأي العام، خصوصاً في ظل الحاجة إلى مزيد من الشفافية بشأن مصادر التمويل وآليات الإنفاق والنتائج التي يفترض أن تحققها هذه التعاقدات.
فإدارة الصورة السياسية والإعلامية في العواصم الدولية أصبحت جزءاً من عمل الحكومات الحديثة، ولا يمكن تجاهل أهمية التواصل مع المؤسسات الإعلامية ومراكز القرار وصناع السياسات. غير أن السؤال الأكثر إلحاحاً يبقى متعلقاً بالتوازن بين الإنفاق على الصورة الخارجية وبين معالجة أسباب التراجع في الداخل.
ما قيمة حملة إعلامية مكلفة إذا كان المواطن لا يجد راتبه في موعده؟ وما جدوى تحسين الصورة في العواصم الدولية إذا كانت الخدمات الأساسية لا تزال عاجزة عن تلبية الاحتياجات اليومية؟ وكيف يمكن إقناع الرأي العام الخارجي بفاعلية أي سلطة دون أن تكون نتائج عملها ملموسة لدى المواطنين على الأرض؟
هذه الأسئلة لا تتعلق فقط بالـ110 آلاف دولار شهرياً، وإنما بمفهوم الأولويات العامة نفسه. فالصورة السياسية لأي سلطة لا تُبنى فقط من خلال البيانات والحملات الإعلامية والعلاقات العامة، وإنما تتشكل قبل ذلك من واقع المؤسسات وقدرتها على تقديم الخدمات، ومن مستوى الاستقرار الاقتصادي، وانتظام المرتبات، وتحسين بيئة الاستثمار، ومكافحة الفساد، وتعزيز ثقة المواطن بمؤسسات الدولة.
وتأتي هذه التساؤلات في وقت تشير فيه تقديرات دولية إلى استمرار الضغوط الاقتصادية والإنسانية الكبيرة، مع محدودية الموارد الحكومية وتراجع القدرة على تمويل النفقات الأساسية. وفي مثل هذه الظروف، يصبح النقاش حول كل بند من بنود الإنفاق العام أكثر أهمية، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بمبالغ كبيرة تُوجه إلى نشاط خارجي لا يلمس المواطن نتائجه بصورة مباشرة.
ومن زاوية أخرى، فإن نجاح أي نشاط للعلاقات العامة في الخارج يفترض أن يستند إلى واقع داخلي يمكن الدفاع عنه، لأن الصورة التي تُرسم في واشنطن أو غيرها لا تستطيع وحدها تغيير الحقائق الموجودة على الأرض. وقد تحقق الحملات الإعلامية حضوراً مؤقتاً، لكنها لا تستطيع معالجة أزمة اقتصادية أو إعادة تشغيل مؤسسة متعثرة أو توفير خدمة أساسية أو دفع راتب متأخر.
ولهذا فإن الاختبار الحقيقي لأي سلطة لا يبدأ من مكاتب شركات العلاقات العامة في العواصم الغربية، وإنما من الشارع والمؤسسات والأسواق ومرافق الخدمات. هناك تتحدد صورة الدولة الحقيقية، وهناك أيضاً يتشكل الانطباع الذي يصعب تغييره مهما بلغت تكلفة الحملات الإعلامية.
وفي النهاية، فإن قضية الإنفاق على العلاقات العامة تستحق نقاشاً شفافاً يتجاوز لغة الاتهام والتبرير، ويتجه نحو سؤال أكثر جوهرية: هل تتناسب الأولويات المالية مع حجم الاحتياجات الداخلية؟ وإذا كانت الموارد محدودة، فأيهما يجب أن يحظى بالاهتمام الأكبر: إدارة الصورة في الخارج أم إصلاح الواقع الذي يصنع الصورة من الداخل؟
فأفضل حملة علاقات عامة لأي سلطة تظل في النهاية مؤسسة تعمل، وراتباً يصل في موعده، وخدمة يحصل عليها المواطن، واقتصاداً يستعيد عافيته، وإدارة عامة تتمتع بالشفافية والمساءلة. وعندما تتحسن هذه العناصر على الأرض، تصبح مهمة تحسين الصورة في الخارج أكثر سهولة وأقل كلفة، لأن الواقع نفسه سيكون هو الرسالة الأقوى.

فيديو