من صواريخ الحوثي إلى سؤال الحسم.. هل دفعت ضربات مأرب وحضرموت «الشرعية» إلى معركة قادمون يا صنعاء

تقارير - منذ 6 ساعات

عدن || عين الجنوب || خاص :
لم تعد الهجمات الحوثية الأخيرة على مواقع القوات الحكومية في مأرب وحضرموت مجرد جولة جديدة في حرب استنزاف طويلة، بل باتت تطرح سؤالًا أكثر إلحاحًا على المشهد اليمني: إلى أين تتجه المعركة، ومن يملك قرارها، وهل تستطيع الحكومة اليمنية الانتقال من موقع الدفاع وردّ الفعل إلى موقع المبادرة والهجوم؟
فالهجمات التي استهدفت مواقع عسكرية في مأرب وحضرموت بالصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة، وفق ما أعلنته الجهات العسكرية اليمنية وتقارير إعلامية متقاطعة، أعادت الحرب إلى واجهة المشهد بعد فترة من الهدوء النسبي، ورفعت مستوى القلق من عودة التصعيد إلى نطاق أوسع.
وفي مأرب، المحافظة التي تمثل منذ سنوات إحدى أهم نقاط الثقل العسكري والسياسي للقوات بما تسمى الحكومية، وفي حضرموت التي تتمتع بأهمية استراتيجية واقتصادية وجغرافية بالغة، جاءت الضربات لتبعث برسالة واضحة مفادها أن جماعة الحوثي لا تزال قادرة على الوصول إلى أهداف بعيدة نسبيًا، وإرباك الحسابات الأمنية والعسكرية، حتى في ظل سنوات الحرب والإنفاق العسكري الكبير.
لكن السؤال الأخطر لم يعد متعلقًا فقط بقدرة الحوثيين على إطلاق الصواريخ والمسيّرات، وإنما بكيفية تحديد الأهداف واختيار التوقيت والمسارات.
كيف وصلت المعلومات إلى المهاجمين؟
السؤال الذي يفرض نفسه بعد أي استهداف دقيق لمواقع عسكرية هو: هل تمكّن الحوثيون من تحديد مواقع الأهداف بواسطة وسائل الاستطلاع والمراقبة، أم أن هناك اختراقات أمنية أو تسريبات للمعلومات؟ وهل كانت الإحداثيات قديمة ومعلومة، أم جرى تحديثها قبل الهجوم؟
هذه الأسئلة لا يمكن الإجابة عنها باعتبارها حقائق محسومة من دون نتائج تحقيق رسمي وأدلة موثقة، لكن طرحها بات ضروريًا، خصوصًا عندما تتكرر الضربات على مواقع عسكرية حساسة.
فالقدرة على استهداف موقع عسكري لا تعني بالضرورة وجود اختراق داخلي؛ إذ يمكن للجماعات المسلحة الاعتماد على مصادر متعددة لجمع المعلومات، بينها الاستطلاع الجوي، والمراقبة الميدانية، والمعلومات المفتوحة، والمصادر البشرية، فضلًا عن وسائل تقنية مختلفة.
ومع ذلك، فإن تكرار الاستهداف ودقة بعض الضربات يفرض على الجهات العسكرية والأمنية فتح تحقيقات جدية لمعرفة مصادر المعلومات التي يعتمد عليها الحوثيون، وتحديد ما إذا كانت هناك ثغرات أمنية يمكن معالجتها قبل أن تتحول إلى خطر مستدام.
أما الأخطر من الضربة نفسها فهو أن تتحول المعلومات العسكرية إلى مادة متاحة للخصم بصورة تمكنه من اختيار أهدافه وتوقيت هجماته.
معركة مأرب.. الرسالة الأبعد من الصاروخ
مأرب ليست مجرد محافظة عسكرية. فمنذ سنوات الحرب أصبحت رمزًا لمقاومة الحوثيين، كما أنها تمثل عقدة جغرافية وعسكرية واقتصادية شديدة الأهمية.
ولهذا فإن استهداف مواقع القوات الحكومية فيها يحمل أبعادًا تتجاوز الأضرار المباشرة؛ فهو يختبر قدرة القوات على حماية مواقعها، ويبعث برسالة ضغط إلى القيادة السياسية والعسكرية، كما يسعى إلى إبقاء مأرب تحت تهديد مستمر.
وتأتي هذه التطورات في وقت تتحدث فيه تقارير عن توسع رقعة التصعيد داخل اليمن، وسط تحذيرات من احتمال اندلاع جولة برية أوسع إذا فشلت الأطراف في احتواء التصعيد.
وهنا يظهر السؤال الأكبر: هل ستبقى القوات الحكومية في موقع الدفاع، تنتظر الضربة ثم ترد عليها، أم أن المرحلة المقبلة ستشهد تغييرًا في قواعد الاشتباك؟
الحكومة أمام اختبار القرار
الضربة الحوثية وضعت الحكومة اليمنية أمام اختبار سياسي وعسكري صعب.
فأي حكومة تخوض حربًا طويلة تحتاج إلى أكثر من البيانات العسكرية؛ تحتاج إلى رؤية واضحة، وقرار موحد، وتسلسل قيادي قادر على تحويل الإمكانات العسكرية إلى أهداف سياسية وعسكرية محددة.
ولهذا فإن الحديث عن «تحرير صنعاء» لا ينبغي أن يتحول إلى مجرد شعار عاطفي يُرفع بعد كل هجوم، بل إلى سؤال يتعلق بامتلاك القدرة والإرادة والخطة والقرار.
فإذا كانت الحكومة ترى أن جماعة الحوثي تمثل تهديدًا مستمرًا للدولة والمناطق المحررة، فإن الرهان الحقيقي سيكون في قدرتها على بناء استراتيجية دفاعية وهجومية متماسكة، بدل البقاء في دائرة ردود الفعل.
وفي المقابل، فإن أي قرار بالتصعيد العسكري الشامل ستكون له كلفة كبيرة، ولن يكون قرارًا بسيطًا يمكن اتخاذه تحت ضغط الغضب الشعبي أو وقع الصواريخ.
«الشرعية.. المواجهة أو السقوط»
في الشارع اليمني تتزايد الأصوات التي ترى أن استمرار سياسة الانتظار قد يمنح الحوثيين فرصة لإعادة ترتيب أوراقهم، بينما يرى آخرون أن فتح جبهة شاملة من دون استعداد سياسي وعسكري كافٍ قد يؤدي إلى نتائج كارثية.
وبين الرأيين تقف الحكومة أمام معادلة صعبة: كيف تمنع الحوثيين من فرض إيقاع المعركة، وفي الوقت نفسه لا تدخل حربًا مفتوحة من دون حساب دقيق للنتائج؟
فالرد الحقيقي لا يقاس بعدد الصواريخ التي يتم إطلاقها عقب كل هجوم، وإنما بقدرة الدولة على حماية قواتها، وإغلاق الثغرات الأمنية، وتحسين منظومة الدفاع، وتوحيد القرار العسكري، ومنع الخصم من اختيار توقيت المعركة ومكانها.
المخا يدخل على خط التصعيد
ولم يتوقف التصعيد عند مأرب وحضرموت، إذ شهدت مدينة المخا غربي اليمن هجمات حوثية جديدة، أعلنت القوات اليمنية إثرها مقتل سبعة أشخاص وإصابة 30 آخرين، بينهم عسكريون ومدنيون، كما أعلنت إسقاط 11 طائرة مسيّرة حوثية.
وهذا التطور يعزز المخاوف من أن المشهد يتجه نحو اتساع جغرافي للعمليات، بحيث تصبح الجبهات والمناطق العسكرية المختلفة عرضة لهجمات متزامنة أو متتابعة.
ومن هنا فإن المسألة لم تعد مرتبطة بمأرب أو حضرموت وحدهما، وإنما بمستقبل قواعد الاشتباك على امتداد المناطق الخاضعة للحكومة.
هل حان وقت تحرير صنعاء؟
ربما يكون السؤال الأكثر إثارة الذي فرضته التطورات الأخيرة هو: هل آن أوان الانتقال من الدفاع إلى الهجوم؟
الإجابة الواقعية لا يمكن اختزالها في نعم أو لا.
تحرير صنعاء ليس قرارًا إعلاميًا، ولا عملية عسكرية محدودة، بل مشروع عسكري وسياسي بالغ التعقيد يحتاج إلى توافق واسع، وإمكانات كبيرة، وخطة واضحة، وقدرة على إدارة المناطق التي قد تنتقل إليها العمليات.
لكن في المقابل، فإن استمرار الضربات الحوثية دون تغيير جوهري في قواعد الاشتباك قد يؤدي إلى ترسيخ معادلة خطيرة: الحوثي يختار التوقيت والهدف، والحكومة تكتفي بالرد.
وهذه المعادلة، إن استمرت، ستجعل الحرب تتحول إلى استنزاف مفتوح بدل أن تكون طريقًا نحو حل سياسي أو حسم عسكري.
المطلوب الآن ليس مجرد الغضب
ما تحتاجه الحكومة بعد هذه الهجمات ليس فقط إصدار بيانات الإدانة، بل إجراء مراجعة شاملة للمنظومة العسكرية والأمنية.
أين مكامن الخلل؟
كيف وصلت المعلومات؟
هل المواقع العسكرية محمية بالقدر الكافي؟
هل منظومات الدفاع الجوي قادرة على التعامل مع موجات متزامنة من المسيّرات والصواريخ؟
ومن يملك القرار النهائي في إدارة المعركة؟
أسئلة كثيرة ستبقى معلقة ما لم تتحول إلى تحقيقات وإجراءات عملية.
فالعدو الذي يستطيع الوصول إلى الهدف مرة قد يكررها، أما الدولة التي تتعلم من الضربة فتستطيع تحويل الخسارة إلى نقطة قوة.
وفي النهاية، فإن صواريخ الحوثيين على مأرب وحضرموت لم تضرب مواقع عسكرية فحسب؛ بل ضربت أيضًا جدار الأسئلة المؤجلة حول مستقبل الحرب، ووحدة القرار العسكري، وقدرة الحكومة على حماية المناطق الخاضعة لها.
ويبقى السؤال الأكبر مفتوحًا:
هل ستظل «الشرعية» تنتظر الضربة التالية لترد عليها، أم أن ما حدث سيكون نقطة تحول تدفعها إلى إعادة بناء استراتيجيتها، وتحديد أهدافها، واستعادة زمام المبادرة؟
فالمعركة المقبلة، إن اتسعت، لن تكون اختبارًا للصواريخ والمسيّرات فقط، بل اختبارًا للقرار السياسي والعسكري اليمني نفسه.
ومن هنا، فإن معادلة المرحلة القادمة قد تختصرها عبارة واحدة:
إما أن تملك الحكومة قرار المعركة... أو تظل رهينة لإيقاع الخصم.

فيديو