استقطاب الجنوبيون للقتال في جبهات الشمال.. لماذا يُدفع بهم اليوم إلى محرقة بلا ضمانات؟

تقارير - منذ 1 ساعة

عدن || عين الجنوب||  خاص:
في خضم المشهد اليمني المتشابك، يبرز سؤال لا يمكن القفز فوقه أو التعامل معه باعتباره مجرد تفصيل عابر: ألم تكن القوات الجنوبية، التي جرى تفكيكها وإعادة توزيعها وإضعاف بنيتها، صمّام أمان للجنوب؟ ولماذا أُثيرت كل تلك المخاوف من وجود قوة جنوبية منظمة وقادرة على حماية الأرض والمصالح؟
وإذا كان الجنوبيون قد وقفوا لسنوات في مقدمة المواجهات، وقدموا التضحيات والدماء، ودافعوا عن مناطقهم ومدنهم، فلماذا تحولت هذه التضحيات اليوم إلى ورقة مفتوحة للاستثمار السياسي والعسكري، بينما لا تزال القضية الجنوبية نفسها بلا ضمانات واضحة، ولا يوجد اتفاق صريح يضع مستقبل الجنوب وحق شعبه في تقرير مصيره على طاولة الحل؟
هذه الأسئلة لا تُطرح من باب التشكيك في أحد، وإنما من واقع تجربة طويلة أثبتت أن الجنوبيين كانوا في كثير من المراحل الطرف الذي يُطلب منه أن يقاتل أولاً، ثم ينتظر حقوقه لاحقاً.
المفارقة أن القوات الجنوبية التي قاتلت في أصعب الظروف، وحمت مدناً ومواقع استراتيجية، وقدمت شهداء وجرحى، كانت تُقدَّم في مراحل كثيرة باعتبارها قوة ضرورية لتحقيق الأمن والاستقرار. لكنها، في المقابل، ظلت تواجه محاولات لإعادة تشكيلها وتفكيكها وإدخالها في ترتيبات عسكرية وسياسية متعددة، بما أفقدها جزءاً من استقلالية قرارها وأثار تساؤلات واسعة حول الهدف الحقيقي من إضعاف أي قوة جنوبية موحدة.
فإذا كانت تلك القوات بالفعل جزءاً من منظومة الأمن والاستقرار، فلماذا كان وجودها يثير كل هذه الحساسية؟
وإذا كان الجنوبيون حلفاء وشركاء في مواجهة خصوم مشتركين، فلماذا يُطلب منهم اليوم تقديم المزيد من التضحيات قبل أن يحصلوا على أي ضمانات حقيقية تتعلق بمستقبل قضيتهم؟
المشكلة لا تكمن في مبدأ مواجهة التهديدات، فالجنوبيون ليسوا بعيدين عن خطر الحرب، ولا يحتاجون إلى من يذكرهم بما قدموه. لكن المشكلة الحقيقية تكمن في غياب المعادلة الواضحة بين الواجب والحق.
لا يمكن أن يُقال للجنوبي: اذهب إلى الجبهة، قاتل، قدم ابنك وشقيقك وقريبك، ثم انتظر حتى تنتهي الحرب، وبعد ذلك سنرى ماذا يمكن أن نقدم لك.
هذه المعادلة جُرّبت طويلاً، والنتيجة التي يراها المواطن الجنوبي اليوم ليست استعادة دولة، ولا حلاً سياسياً واضحاً، ولا ضمانات دولية أو إقليمية لمستقبل القضية، وإنما أزمات متلاحقة تمس حياته اليومية بصورة مباشرة.
الكهرباء تتراجع، والمياه تعاني، والرواتب تتأخر، والخدمات تتدهور، والاقتصاد ينهار، بينما الخطاب السياسي لا يزال يطالب بالمزيد من الصبر والتضحيات.
وهنا يصبح السؤال أكثر إلحاحاً: ماذا حصل عليه المواطن الجنوبي مقابل كل ما قدمه؟
إذا كان المطلوب منه أن يتحمل كلفة الحرب، فمن حقه أن يعرف بوضوح ما هو المقابل السياسي الذي ينتظره. وإذا كانت هناك تسوية قادمة، فمن حقه أن يعرف موقع الجنوب فيها. وإذا كان الحديث عن استعادة صنعاء هو الهدف النهائي، فمن يضمن أن لا تتحول القضية الجنوبية مرة أخرى إلى بند مؤجل إلى أجل غير مسمى؟
التاريخ السياسي لليمن مليء بالوعود التي لم تجد طريقها إلى التنفيذ. ولهذا لم يعد مقبولاً أن تُدار قضية شعب كامل بمنطق الوعود المؤجلة.
الحقوق لا تُدار بالوعود، ولا تُحمى بالشعارات، ولا تُستعاد بالتضحيات وحدها.
الحقوق تحتاج إلى ضمانات سياسية واضحة، وإلى ترتيبات تضمن عدم الالتفاف عليها، وإلى طرف يمتلك القدرة على حماية مصالحه عندما تبدأ مرحلة التفاوض وتقاسم النفوذ.
ومن هنا تأتي أهمية القوات الجنوبية بالنسبة للكثير من أبناء الجنوب؛ ليس باعتبارها أداة للحرب فقط، وإنما باعتبارها أحد عناصر القدرة على حماية الأرض ومنع فرض أي ترتيبات بالقوة.
ولهذا فإن السؤال حول أسباب إضعافها أو تفكيكها لا يمكن أن يظل بلا إجابة.
لماذا يُراد للجنوبيين أن يدخلوا معارك جديدة بينما تُترك قضيتهم السياسية معلقة؟
لماذا يُطلب من أبناء الجنوب التقدم إلى ساحات القتال، بينما لا توجد أمامهم خريطة سياسية واضحة لما بعد الحرب؟
ومن يضمن أن لا تتكرر التجربة ذاتها، فيجد الجنوبيون أنفسهم بعد سنوات من القتال أمام واقع جديد، تُقال فيه العبارة ذاتها: "انتظروا، فالوقت غير مناسب لطرح قضية الجنوب"؟
إن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن تتحول القوات الجنوبية إلى مجرد قوة قتالية تُستخدم في المعارك، بينما تُترك القضية التي دفعت آلاف الجنوبيين إلى التضحية خارج طاولة القرار.
فالجنوبي الذي يقاتل لا يبحث عن الحرب من أجل الحرب، وإنما يريد أمناً واستقراراً وكرامة ومستقبلاً سياسياً واضحاً.
أما أن يتحول الجنوب إلى خزان بشري مفتوح لكل الجبهات، فهذا أمر يحتاج إلى مراجعة جادة.
ليس من المنطقي أن يُطلب من أبناء الجنوب خوض معارك خارج أرضهم دون رؤية واضحة، ثم يُقال لهم إن هذه التضحيات ستقود في النهاية إلى حل قضيتهم، من دون تقديم أي وثيقة أو ضمان أو التزام سياسي قابل للتنفيذ.
لقد أثبتت التجارب أن القوى التي تدخل المفاوضات وهي تملك أوراقاً قوية تكون أكثر قدرة على حماية مصالحها من تلك التي تصل إلى الطاولة وهي مجردة من أدوات القوة السياسية والعسكرية.
ومن هنا فإن الحفاظ على قوة جنوبية منظمة، منضبطة، ومرتبطة بمشروع واضح لحماية الجنوب، لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره عقبة أمام السلام، بل يمكن أن يكون جزءاً من معادلة الاستقرار إذا خضع لقرار مؤسسي واضح ولمصلحة الجنوب وأمنه.
أما إضعاف هذه القوة ثم مطالبة الجنوبيين بخوض المزيد من الحروب، فسيبقى سؤالاً مفتوحاً أمام الرأي العام.
من المستفيد من جنوب بلا قوة؟ ومن المستفيد من شعب يُطلب منه أن يقاتل بينما تُترك حقوقه بلا ضمانات؟
إن أبناء الجنوب لا يرفضون مواجهة الأخطار، ولا يهربون من المسؤولية، لكنهم يريدون أن يعرفوا إلى أين تقودهم هذه التضحيات.
يريدون أن تكون دماء أبنائهم طريقاً إلى مستقبل واضح، لا وقوداً لمعارك مفتوحة لا يعرفون نهايتها.
ويريدون خدمات ومرتبات وأمناً وحياة كريمة، إلى جانب حل سياسي عادل لقضيتهم.
فالجنوب ليس مجرد جبهة عسكرية، وأبناؤه ليسوا مجرد أرقام في قوائم المقاتلين، وقضيته ليست ورقة يمكن استخدامها عندما تشتد الحاجة ثم وضعها جانباً عندما تبدأ المفاوضات.
لقد آن الأوان لأن تتحول العلاقة مع الجنوب من منطق الطلب والتكليف إلى منطق الشراكة والضمانات.
وإذا كان هناك من يريد من الجنوبيين أن يقاتلوا، فعليه أولاً أن يجيب بصراحة: ما هو مستقبل الجنوب بعد انتهاء المعركة؟ ومن يضمن حقوقه؟ ومن يضمن ألا تعود التضحيات مرة أخرى إلى نقطة الصفر؟
فالقضية في النهاية ليست رفضاً للقتال، وإنما رفض لأن يتحول الجنوبيون إلى وقود لحروب الآخرين، بينما تبقى قضيتهم معلقة، وخدماتهم غائبة، وحقوقهم رهينة الوعود.
وهنا تختصر الحقيقة نفسها في سؤال واحد:
إذا كانت القوات الجنوبية بالأمس صمّام أمان، فلماذا أصبح وجودها اليوم مصدر قلق؟ وإذا كان الجنوبيون حلفاء وشركاء، فلماذا يُطلب منهم دفع ثمن حرب جديدة قبل أن يحصلوا على ضمانات لمستقبل قضيتهم؟
أسئلة كثيرة، لكن الإجابة عنها لم تعد ترفاً سياسياً، بل أصبحت ضرورة أمام شعب يريد أن يعرف إلى أين تتجه تضحياته، ومن أجل أي مستقبل يُطلب منه أن يدفع المزيد.

فيديو