القضاء في قبضة السياسة.. عندما تتحول العدالة إلى سلاح لإقصاء الخصوم

تقارير - منذ 1 ساعة

عدن || عين الجنوب ||خاص:
توظيف القضاء في الصراعات السياسية لا يهدد خصوم السلطة وحدهم، بل يهدد فكرة العدالة نفسها، ويضع مؤسسات الدولة أمام اختبار بالغ الخطورة. فالقضاء، في أي مجتمع يسعى إلى الاستقرار، يفترض أن يكون مساحة محايدة تُحسم فيها النزاعات وفق القانون والأدلة، لا ساحة تُصفّى فيها الحسابات السياسية أو يُستخدم فيها النفوذ لإقصاء الخصوم وإسكات الأصوات المخالفة.

وتزداد خطورة هذه الممارسات عندما تتحول الإجراءات القضائية إلى وسيلة للضغط السياسي، أو عندما يُنظر إلى الأحكام والتحقيقات باعتبارها أدوات لإعادة ترتيب موازين القوى بدلاً من كونها إجراءات تستند إلى القانون. وفي مثل هذه الحالات، لا يعود الضرر محصوراً في شخص أو جهة بعينها، وإنما يمتد إلى ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة، ويعمّق حالة الاحتقان والانقسام التي تعاني منها المجتمعات الخارجة من أزمات سياسية وأمنية متراكمة.

إن استقلال القضاء ليس ترفاً سياسياً ولا شعاراً يُرفع في المناسبات، بل هو أحد أهم الضمانات التي تحمي المجتمع من التعسف وتمنع تغليب القوة والنفوذ على القانون. وحين يشعر المواطن بأن القضاء يمكن أن يُستخدم ضد الخصوم السياسيين، فإن أول ما يتعرض للاهتزاز هو الإيمان بمبدأ المساواة أمام القانون، لأن العدالة تفقد معناها إذا أصبح معيارها الانتماء السياسي أو الموقف من السلطة.

وفي البيئات التي تشهد صراعاً سياسياً حاداً، يصبح الحفاظ على حياد المؤسسات القضائية أكثر أهمية من أي وقت مضى. فبدلاً من تحويل القضاء إلى طرف في النزاع، ينبغي أن يبقى مؤسسة مستقلة تقف على مسافة واحدة من جميع الأطراف، وتتعامل مع الملفات وفق قواعد واضحة وإجراءات قانونية معلنة، بما يضمن للمتقاضي حقه في الدفاع والمحاكمة العادلة والاعتراض وفق الوسائل التي يكفلها القانون.

كما أن استخدام القضاء لإقصاء الخصوم قد يؤدي إلى نتيجة عكسية تماماً؛ إذ يمكن أن يدفع القوى السياسية إلى مزيد من التشدد، ويغلق أبواب الحوار، ويحوّل الخلاف السياسي من منافسة مشروعة إلى صراع مفتوح على النفوذ والوجود. وعندما تتراجع مساحة السياسة لصالح أدوات الإقصاء، تصبح المؤسسات نفسها جزءاً من الأزمة بدلاً من أن تكون وسيلة لمعالجتها.

ولا يمكن بناء دولة مستقرة من خلال توظيف مؤسساتها ضد فئة من المجتمع أو طرف سياسي بعينه. فالدولة القوية ليست التي تستطيع ملاحقة خصومها، وإنما التي تستطيع ضمان حقوقهم حتى عندما تكون مواقفهم معارضة للسلطة. والقضاء العادل لا يقاس بقدرته على إصدار الأحكام ضد المختلفين، بل بقدرته على حماية القانون عندما يكون تطبيقه مكلفاً سياسياً.

ومن هنا، فإن أي حديث عن إصلاح سياسي أو استقرار مؤسسي يبقى ناقصاً ما لم يترافق مع تحصين القضاء من التدخلات السياسية، وضمان استقلال القضاة، واحترام الإجراءات القانونية، وعدم استخدام الملفات القضائية كوسيلة للابتزاز أو التشهير أو تصفية الحسابات.

إن العدالة لا تحتمل الانتقائية، والقانون لا ينبغي أن يتغير بتغير الخصوم. وأي محاولة لتحويل القضاء إلى أداة في الصراع السياسي ستفتح الباب أمام أزمة أعمق، لأن من يُستخدم القضاء لإقصائه اليوم قد يصبح غداً جزءاً من معادلة السلطة، وعندها قد تُستخدم الأدوات نفسها ضد أطراف أخرى.

المطلوب في هذه المرحلة ليس مزيداً من التصعيد، وإنما إعادة الاعتبار لمبدأ سيادة القانون، والفصل الواضح بين العمل القضائي والعمل السياسي، وضمان أن تكون المؤسسات فوق الصراعات لا أسيرة لها. فحين يكون القضاء مستقلاً، يصبح القانون مظلة للجميع؛ وحين يفقد استقلاله، تتحول العدالة من حصن يحمي المجتمع إلى جزء من المشكلة.

وفي نهاية المطاف، لا يمكن لأي مشروع سياسي أن يكتسب شرعيته الحقيقية عبر إقصاء خصومه باستخدام مؤسسات الدولة. الشرعية تُبنى بالاحتكام إلى القانون، واحترام الحقوق، وفتح المجال أمام المنافسة السياسية السلمية، وترك القضاء يؤدي دوره بعيداً عن الحسابات والضغوط.

فالعدالة التي تُوظف سياسياً تفقد ثقة الناس، والقضاء الذي يتحول إلى أداة للصراع يفقد مكانته، أما الدولة التي تحمي استقلال مؤسساتها وتضمن حق الجميع في محاكمة عادلة، فهي وحدها القادرة على تجاوز الأزمات وبناء استقرار حقيقي ومستدام.

فيديو