تحالفٌ من ورق؟ تركيا تكشف الوجه الآخر للاتفاقية العسكرية مع السعودية وباكستان

تقارير - منذ 46 دقيقة

عين الجنوب ||خاص                    

لم تمضِت سوى أيام قليلة على موجة التطبيل والتهليل التي رافقت الإعلان عن الاتفاقية العسكرية الثلاثية بين تركيا والسعودية وباكستان، حتى بدأت الأسئلة الصعبة تفرض نفسها على المشهد، بعدما نُسب إلى وزير الخارجية التركي هاكان فيدان حديثٌ يضع الاتفاق في إطار مختلف تماماً عن الصورة التي جرى تسويقها إعلامياً، ويؤكد أن أنقرة لا تنظر إليه باعتباره مدخلاً إلى مواجهة عسكرية مع إيران أو الحوثيين.
وبحسب التصريحات المتداولة والمنسوبة إلى فيدان، فإن الاتفاق لا يعني أن تركيا ستدخل حرباً ضد إيران، ولا أنها ستشارك في قصف الحوثيين، فيما وُصف التعاون بين الدول الثلاث بأنه يتركز بصورة أساسية على التدريب والتعاون، إلى جانب ما يحمله الاتفاق من دلالة سياسية وإعلامية على قوة العلاقات بينها.
وهنا تحديداً تتوقف ماكينة التهويل، ويبدأ السؤال الحقيقي: هل جرى تقديم الاتفاق للرأي العام باعتباره تحالفاً عسكرياً موجهاً إلى خصوم محددين، بينما كانت حسابات أطرافه الفعلية أكثر تحفظاً بكثير؟
منذ الإعلان عن الاتفاق، سارع بعض الكتاب والمحللين ووسائل الإعلام العربية إلى تقديمه باعتباره تحولاً استراتيجياً كبيراً في موازين القوى الإقليمية، بل ذهب بعضهم إلى تصويره كرسالة ردع مباشرة لإيران، وكأن المنطقة كانت على موعد مع تشكيل جبهة عسكرية جديدة ستعيد رسم خريطة التحالفات وتفرض معادلات مختلفة على طهران وجماعة الحوثي.
غير أن السياسة الدولية لا تُقاس بحجم العناوين، ولا بعدد البيانات الاحتفالية، وإنما بما تلتزم به الدول فعلياً عندما تصل الأمور إلى لحظة الاختبار.
فالدول لا تدخل الحروب بالشعارات، ولا ترسل جيوشها إلى ساحات القتال لأن محللاً أو كاتباً أراد أن يرى في اتفاق سياسي إعلاناً لمواجهة عسكرية. لكل دولة حساباتها ومصالحها وحدودها، وقد تتفق عدة دول على التعاون العسكري والتدريب وتبادل الخبرات، من دون أن يعني ذلك بالضرورة أنها شكلت تحالفاً حربياً يستهدف دولة بعينها.
وهذه النقطة تبدو الأكثر أهمية في قراءة الموقف التركي.
فأنقرة، التي تربطها علاقات معقدة ومتشابكة مع طهران، لا تبدو مستعدة لتحويل أي اتفاق إقليمي إلى منصة مواجهة مباشرة مع إيران. فالعلاقات بين الدول لا تُدار بمنطق الشعارات الطائفية، بل وفق شبكة واسعة من المصالح الاقتصادية والأمنية والسياسية والجغرافية.
ومن هنا فإن الحديث عن أن تركيا ستدخل مواجهة عسكرية مع إيران لمجرد توقيع اتفاق مع السعودية وباكستان يبدو أقرب إلى القراءة المتعجلة منه إلى التحليل الاستراتيجي المتزن.
المفارقة أن بعض الأصوات العربية تعاملت مع الاتفاق وكأنه "عصا غليظة" أُشهرت في وجه إيران، بينما تكشف التصريحات التركية المتداولة أن أنقرة نفسها لا تقدم الاتفاق بهذه الصورة.
وهنا يعود السؤال إلى الواجهة: أين أولئك الذين بنوا تحليلاتهم على فرضية الحرب؟
أين الذين تحدثوا عن جبهة عسكرية جديدة ستغير قواعد اللعبة؟
وأين من تعاملوا مع الاتفاق باعتباره بداية مرحلة مختلفة في الصراع الإقليمي؟
إذا كان الاتفاق، وفق التفسير التركي، يركز على التدريب والتعاون وتعزيز العلاقات، فإن كل تلك القراءات التي قفزت مباشرة إلى سيناريو المواجهة تبدو بحاجة إلى مراجعة جادة.
المشكلة ليست في الاتفاق ذاته، فالتعاون العسكري بين الدول أمر طبيعي في العلاقات الدولية، وإنما في الطريقة التي جرى بها تضخيمه وتحويله إلى مادة دعائية تتجاوز بكثير ما يمكن أن يحتمله نص الاتفاق أو الموقف السياسي للدول الموقعة.
لقد أصبحت المنطقة، خلال السنوات الماضية، مسرحاً واسعاً للحروب الإعلامية، حيث تتحول البيانات الدبلوماسية إلى انتصارات، واللقاءات السياسية إلى تحالفات استراتيجية، والمناورات العسكرية إلى مقدمات لحروب كبرى، قبل أن تكشف الوقائع لاحقاً أن الحسابات الحقيقية للدول أكثر تعقيداً وأقل صخباً.
وفي هذه البيئة، يصبح الخوف نفسه صناعة سياسية وإعلامية.
تخشى بعض الأطراف من تنامي نفوذ إيران، فتبحث عن أي مؤشر يمكن تقديمه باعتباره جبهة مضادة. وتخشى من تمدد الحوثيين، فتُضخّم كل اتفاق عسكري باعتباره خطوة نحو حسم المعركة. ثم تأتي المنابر الإعلامية لتعيد إنتاج هذه المخاوف في صورة انتصارات استراتيجية جاهزة للاستهلاك.
لكن المشكلة أن تضخيم القدرات والتحالفات لا يصنع قوة حقيقية.
القوة تُقاس بالقدرة على اتخاذ القرار، وبامتلاك الأدوات، وبوضوح الأهداف، وبالاستعداد لتحمل تكاليف المواجهة إذا وقعت، لا بحجم الضجيج الذي يسبقها.
ولهذا فإن التصريحات التركية المتداولة، إذا ثبتت بصيغتها ومضمونها، لا تعني بالضرورة انهيار الاتفاق أو إلغاء أهميته، لكنها تكشف الفجوة بين ما يمكن أن يكون الاتفاق عليه فعلياً وبين ما أراد البعض أن يراه فيه.
فالتعاون والتدريب وتبادل الخبرات يمكن أن تكون لها أهمية عسكرية وأمنية حقيقية، لكنها ليست إعلان حرب، ولا تعني تلقائياً أن الدول الثلاث ستقاتل جنباً إلى جنب ضد إيران أو الحوثيين.
وهنا تظهر واحدة من أكبر مشكلات الخطاب السياسي العربي: تحويل الأمن إلى استعراض، والتحالفات إلى شعارات، والمخاوف إلى مشاريع تعبئة إعلامية.
بدلاً من طرح سؤال بسيط: ماذا نص الاتفاق؟ وما الالتزامات الفعلية التي ترتبت عليه؟ وما حدود التعاون بين الأطراف؟ وما السيناريوهات التي يمكن أن تتحول فيها الشراكة إلى تحرك عسكري؟ يتم القفز مباشرة إلى النتائج الكبرى، ثم بناء سردية كاملة على أساسها.
وحين تظهر تصريحات من أحد أطراف الاتفاق تقلص هذه الصورة أو تضعها في سياق مختلف، يبدأ التبرير والبحث عن مخارج لغوية.
لكن السياسة لا تحتاج إلى كل هذا التعقيد.
إذا كان الاتفاق للتعاون والتدريب، فهو اتفاق تعاون وتدريب.
وإذا كان تحالفاً عسكرياً للدفاع المشترك، فينبغي أن تكون هناك التزامات واضحة وآليات محددة للتعامل مع التهديدات.
أما الجمع بين الأمرين، ثم تقديم الاتفاق للجمهور باعتباره تحالفاً حربياً، فهو ما يفتح الباب أمام التضليل وسوء التقدير.
وفي نهاية المطاف، قد تكون الرسالة الأهم التي كشفتها هذه الضجة أن المنطقة لا تحتاج إلى المزيد من التحالفات المصنوعة إعلامياً بقدر حاجتها إلى سياسات واقعية، وقراءة هادئة لموازين القوى، وفهم دقيق لمصالح الدول.
فتركيا ليست مجرد ورقة في صراع الآخرين، والسعودية ليست دولة بلا حسابات، وباكستان أيضاً تمتلك أولوياتها الاستراتيجية الخاصة. وكل دولة من هذه الدول ستدخل أي مواجهة فقط عندما ترى أن مصالحها تستحق كلفتها.
أما تحويل اتفاق عسكري إلى عنوان لحرب إقليمية شاملة، ثم انتظار الدول الموقعة كي تنفذ السيناريو الذي رسمه الإعلام، فذلك ليس تحليلاً استراتيجياً، بل أمنيات سياسية مغلفة بلغة القوة.
لقد أثبتت تجارب المنطقة أن أكثر ما يضر بالقضايا السياسية ليس الخصوم وحدهم، وإنما أيضاً المبالغة في تصوير القوة، وبناء التوقعات على أوهام لا تصمد أمام أول اختبار.
وفي النهاية، تبقى الحقيقة أبسط من كل الضجيج: الاتفاقات تُقرأ بما تنص عليه، والتحالفات تُقاس بما تلتزم به، والحروب لا تبدأ لأن الإعلام أعلن بدايتها.
وإذا كانت أنقرة تقول إن تعاونها مع الرياض وإسلام آباد لا يعني حرباً ضد إيران ولا قصفاً للحوثيين، فإن أقل ما يمكن فعله هو الاستماع إلى الموقف التركي كما هو، بدلاً من الإصرار على رواية لم تعد الوقائع تسندها.
فالسياسة ليست مسابقة في رفع سقف الشعارات، ومن يبالغ في تفسير اتفاق محدود على أنه تحالف حرب شامل، قد يجد نفسه في النهاية أمام حقيقة محرجة: أن "العصا الغليظة" التي احتفل بها البعض لم تكن سوى اتفاق للتعاون والتدريب، وأن كثيراً من الضجيج الذي أحاط بها كان أكبر بكثير من مضمونها الحقيقي.

فيديو