الحوثي والإخوان والشرعية.. مسارات متباينة ونتيجة واحدة: تأجيل قضية شعب الجنوب

تقارير - منذ 1 ساعة

عين الجنوب|| خاص:
في المشهد المعقد، تتبدل التحالفات وتختلف الخطابات، لكن بعض المسارات السياسية والميدانية تبدو وكأنها تلتقي عند نقطة واحدة: إبقاء القضية الجنوبية معلقة، ومنع الجنوبيين من الوصول إلى استحقاق سياسي يعبّر عن إرادتهم.
ومن هنا يبرز الحديث عن ما يصفه خصوم القوى المناهضة للمشروع الجنوبي بـ"التخادم الثلاثي" بين الحوثيين، وجماعة الإخوان، والقوى المحسوبة على ما يسمى بالشرعية. وهو توصيف سياسي يعبّر عن قراءة لدى قطاع من الجنوبيين لمسار الأحداث، وليس بالضرورة دليلاً على وجود تحالف معلن أو اتفاق رسمي بين هذه الأطراف.
شعارات مختلفة.. والنتيجة واحدة
قد تبدو الصورة للوهلة الأولى متناقضة؛ فالحوثيون يرفعون شعارات دينية وسياسية، بينما تتحدث قوى أخرى باسم الشرعية والدولة، في حين ترفع تيارات حزبية شعارات وطنية ووحدوية.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو: ماذا كانت النتيجة على الأرض بالنسبة للجنوب؟
فبدلاً من أن تتحول الحرب إلى مسار يقود إلى تسوية عادلة للقضية الجنوبية، وجد الجنوبيون أنفسهم أمام أزمات متراكمة، وحروب متكررة، واقتصاد منهك، وخدمات متدهورة، وقضية سياسية يجري التعامل معها في كثير من الأحيان باعتبارها ورقة تفاوضية قابلة للتأجيل.
وهنا تتسع دائرة الشكوك لدى الشارع الجنوبي حول طبيعة المصالح التي تلتقي عندها أطراف تبدو متصارعة في العلن.
الحوثي.. عدو معلن واستثمار في الانقسام
لا يحتاج الحوثيون إلى إعلان موقف معادٍ للجنوب حتى يدرك الجنوبيون حجم التهديد الذي تمثله الجماعة على مستقبل المنطقة.
لكن الخطر، وفق هذه القراءة، لا يرتبط فقط بالمواجهة العسكرية المباشرة، وإنما أيضاً باستثمار الجماعة في حالة الانقسام اليمني، وإطالة أمد الصراع، واستغلال الخلافات بين القوى المناهضة لها.
فكلما طال أمد الحرب، بقيت ملفات الحل السياسي مؤجلة، وظلت القضية الجنوبية محاصرة بين الحسابات العسكرية والإقليمية والدولية.
الإخوان.. معركة سياسية تحت عناوين متعددة
أما التيارات المحسوبة على جماعة الإخوان، فيرى منتقدوها أنها تعاملت مع القضية الجنوبية في مراحل مختلفة باعتبارها منافساً سياسياً ومشروعاً يجب احتواؤه أو إضعافه.
وتتغير العناوين من مرحلة إلى أخرى: تارة باسم الوحدة، وتارة باسم الدولة، وتارة تحت شعار مواجهة الحوثيين، لكن السؤال الجنوبي يبقى ثابتاً: أين موقع القضية الجنوبية في كل هذه المشاريع؟
فالجنوبيون لا يعترضون على مواجهة الحوثيين، لكنهم يرفضون أن تتحول هذه المواجهة إلى مبرر دائم لتأجيل حقوقهم السياسية أو الزج بقواتهم في معارك لا ترتبط مباشرة بمصالحهم الوطنية.
الشرعية.. عنوان واسع وأسئلة أكبر
في المقابل، أصبحت كلمة "الشرعية" نفسها موضع نقاش سياسي واسع داخل اليمن.
فالشرعية في المفهوم السياسي لا ينبغي أن تكون مجرد صفة تُستخدم في البيانات، وإنما يفترض أن ترتبط بمؤسسات فاعلة، وقرار سياسي مستقل، وحضور شعبي، وقدرة على إدارة الدولة وتقديم الخدمات وحماية المواطنين.
ومن هنا يتساءل قطاع من الجنوبيين: إذا كانت الشرعية هي الطريق إلى الدولة والحل، فلماذا ظلت القضية الجنوبية طوال سنوات الحرب دون تسوية واضحة؟ ولماذا بقي مستقبل الجنوب مرتبطاً بتفاهمات القوى الإقليمية والدولية؟
الجنوب.. الحلقة التي يريد الجميع تأجيلها
القضية الجنوبية ليست تفصيلاً هامشياً في الأزمة اليمنية، بل واحدة من أكثر القضايا السياسية تعقيداً في البلاد.
ولهذا فإن محاولة تجاوزها أو اختزالها في ترتيبات مؤقتة قد لا تؤدي إلى سلام مستدام، لأن أي تسوية تتجاهل جذور الصراع ستبقى عرضة للانهيار عند أول اختبار.
ويرى قطاع واسع من الجنوبيين أن القضية لا تحتاج إلى مزيد من الوعود، بل إلى مسار سياسي واضح يحدد مستقبل الجنوب، ويضمن أن يكون أبناء الجنوب طرفاً أصيلاً في تقرير مصيرهم، لا مجرد قوة عسكرية أو ورقة تفاوضية في صراع الآخرين.
حين تتصارع الأطراف.. ويُدفع الجنوب الثمن
المفارقة الأكثر إثارة أن القوى التي تختلف في الخطاب قد تلتقي أحياناً، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في نتائج معينة: إطالة الأزمة، وتعطيل التسوية، وإبقاء الجنوب في حالة استنزاف سياسي واقتصادي وعسكري.
وهنا تكمن خطورة ما يصفه البعض بـ"التخادم": ليس بالضرورة أن يتفق الخصوم على طاولة واحدة، بل قد تكفي المصالح المتقاطعة والنتائج المتشابهة لكي يخدم كل طرف، عن قصد أو من دون قصد، مسار الطرف الآخر.
وبينما تتبادل الأطراف الاتهامات، يدفع المواطن الجنوبي ثمن الانهيار الاقتصادي، وتراجع الخدمات، وتدهور العملة، وتعقيدات المشهد الأمني والسياسي.
الجنوب أمام اختبار الوعي
أمام هذا الواقع، تبدو المعركة الحقيقية بالنسبة للجنوبيين ليست عسكرية فقط، وإنما سياسية ووعيية بالدرجة الأولى.
فالمطلوب، وفق الرؤية الجنوبية، عدم السماح بتحويل القضية إلى مجرد ورقة تستخدم عند الحاجة ثم تُهمَّش عند انتهاء الحاجة إليها، وعدم الانجرار إلى معارك لا تخدم مصالح الجنوب، مع التمسك بحق الجنوبيين في أن يكونوا طرفاً رئيسياً في أي مفاوضات تتناول مستقبلهم.
فالسلام الحقيقي لا يقوم على تجاهل المظالم، ولا على فرض حلول جاهزة، ولا على تأجيل القضايا الجوهرية إلى أجل غير مسمى.
وفي النهاية، قد تختلف الشعارات، وقد تتغير التحالفات، وقد يتبادل الخصوم الاتهامات، لكن الاختبار الحقيقي لأي مشروع سياسي يبقى في نتائجه على الأرض.
وإذا كانت النتيجة هي استمرار الحرب، واستنزاف الجنوب، وتأجيل قضيته، وإبقاء مستقبله رهينة للتفاهمات الخارجية، فإن السؤال سيظل قائماً:
هل نحن أمام صراع متعدد الأطراف فعلاً، أم أمام مسارات مختلفة تلتقي – بصورة مباشرة أو غير مباشرة – عند هدف واحد: إبقاء الجنوب خارج معادلة القرار حتى إشعار آخر؟

فيديو