العدوان السعودي على الجنوب.. من شراكة الحرب إلى قصف الحلفاء

تقارير - منذ 7 ساعات

عدن عين الجنوب || خاص          


لم تعد العلاقة بين السعودية والجنوب تُقرأ فقط من زاوية التحالفات السياسية والعسكرية التي تشكلت منذ اندلاع الحرب، بل باتت أحداث السنوات الأخيرة تفرض سؤالاً أكثر قسوة: كيف تحوّل طرفٌ قاتل إلى جانب القوات الجنوبية ضد الحوثيين إلى طرفٍ يُتهم اليوم بقصف مواقع وقوات جنوبية؟
هذا السؤال لم يعد افتراضياً، بعدما شهدت حضرموت خلال أواخر ديسمبر/كانون الأول 2025 وبداية يناير/كانون الثاني 2026 تصعيداً عسكرياً واسعاً، تخلله قصف جوي سعودي استهدف، وفق تقارير إعلامية وتصريحات للمجلس الانتقالي الجنوبي، مواقع للقوات الجنوبية في حضرموت. وقد تحدثت تقارير عن ضربات استهدفت قوات النخبة الحضرمية في وادي نحب، فيما وصفت قيادات جنوبية ما جرى بأنه عدوان على الجنوب.
ولم تكن حضرموت مجرد ساحة عسكرية عابرة، بل تحولت إلى عنوان لصراع أعمق على النفوذ والقرار والسيطرة على المحافظات الجنوبية. ففي مطلع يناير 2026 تقدمت قوات مدعومة من السعودية نحو مواقع في حضرموت، بينما كانت قوات مرتبطة بالمجلس الانتقالي الجنوبي ترفض التراجع عن مواقعها. وأكدت تقارير أن الحملة العسكرية رافقها دعم جوي سعودي، وانتهت باستعادة قوات مدعومة من الرياض مواقع ومدناً رئيسية، بينها سيئون والمكلا.
المشهد الأكثر إثارة للجدل أن السعودية كانت جزءاً من التحالف الذي خاض الحرب في اليمن منذ عام 2015 تحت عنوان مواجهة الحوثيين ودعم الحكومة اليمنية، بينما كانت القوات الجنوبية في الوقت نفسه تخوض معارك ميدانية ضد الحوثيين والإرهاب في محافظات الجنوب. ولذلك فإن انتقال المواجهة إلى استهداف قوات جنوبية يفتح الباب أمام قراءة مختلفة لطبيعة الصراع: هل أصبحت الأولوية السعودية اليوم هي ضبط الجنوب وإعادة تشكيل موازين القوة فيه، بدلاً من الاكتفاء بمواجهة الحوثيين؟
ومع اتساع الخلافات، لم تعد حضرموت وحدها في قلب المشهد. فقد شهدت مناطق جنوبية أخرى توترات عسكرية وسياسية متصاعدة، فيما بقيت القوات الجنوبية تواجه هجمات الحوثيين على جبهات عدة. وتظهر بيانات الأحداث الميدانية خلال يوليو/تموز 2026 استمرار الاشتباكات والهجمات الحوثية على القوات الجنوبية في الضالع ولحج ويافع، في الوقت الذي ظل فيه الوضع الأمني في حضرموت والمهرة مرتبطاً بصراع النفوذ بين القوى المحلية والإقليمية.
وفي أغسطس/آب 2026 دخل المشهد مرحلة أكثر تعقيداً، مع عودة التصعيد العسكري في اليمن بصورة واسعة. وحذرت الأمم المتحدة من أن البلاد تواجه أخطر خطر للعودة إلى حرب واسعة النطاق منذ هدنة 2022، في ظل تصاعد العمليات العسكرية في مأرب وحضرموت ومناطق أخرى وسقوط قتلى وجرحى.
لكن وسط هذه الفوضى، يبقى السؤال الجنوبي قائماً: ماذا يريد الجنوب من كل هذه التحالفات؟ وهل يمكن أن تستمر الشراكة العسكرية بينما يشعر جزء واسع من القوى الجنوبية بأن قرارها السياسي والعسكري بات محل تدخل خارجي؟
إن أخطر ما في المشهد ليس القصف وحده، بل الرسالة السياسية التي قد يفهمها الجنوبيون منه. فحين تُستهدف قوات محلية كانت تقاتل الحوثيين، وحين تُفرض ترتيبات عسكرية على محافظات جنوبية بقوة السلاح، فإن القضية تتجاوز حدود المعركة العسكرية لتصل إلى مسألة السيادة والقرار ومستقبل الجنوب.
لقد كشفت أحداث حضرموت أن التحالفات في اليمن ليست ثابتة، وأن المصالح الإقليمية يمكن أن تعيد ترتيب الخصومات والحسابات في لحظة واحدة. فالطرف الذي كان يُنظر إليه بوصفه حليفاً في مواجهة الحوثيين يمكن أن يصبح، في نظر خصومه المحليين، طرفاً في صراع جديد على الأرض والثروة والموانئ والمواقع الاستراتيجية.
وهنا تحديداً تكمن حساسية حضرموت. فالمحافظة ليست مجرد مساحة جغرافية، بل تمتلك موقعاً استراتيجياً وثروات وامتداداً ساحلياً مهماً، ولذلك فإن السيطرة عليها تعني امتلاك ورقة مؤثرة في أي ترتيبات مستقبلية للجنوب واليمن. ولهذا لم يكن مستغرباً أن تتحول التطورات فيها إلى واحدة من أكثر ملفات الصراع اليمني حساسية.
كما أن التطورات الأخيرة تُظهر أن الصراع لم يعد محصوراً في مواجهة الحوثيين. فإلى جانب الحرب مع الحوثيين، هناك صراع جنوبي ـ ، وتنافس سعودي ـ انعكس على القوى المحلية، وتباين في رؤى مستقبل الدولة اليمنية، فضلاً عن قضية الجنوب التي لا تزال تبحث عن صيغة سياسية تلبي تطلعات قطاع واسع من الجنوبيين.
والأخطر أن استمرار هذا المسار يهدد بتحويل الجنوب إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية. فبدلاً من أن تكون المحافظات الجنوبية مساحة للاستقرار وإعادة بناء المؤسسات وتحسين حياة المواطنين، تتحول مرة أخرى إلى ميدان عسكري تتحكم فيه الحسابات الخارجية.
وفي المقابل، فإن أي قراءة منصفة للأحداث يجب ألا تتجاهل أيضاً هجمات الحوثيين التي استهدفت القوات الحكومية والقوات المحلية في محافظات بينها حضرموت ومأرب، والتي ساهمت في رفع مستوى التوتر وإعادة اليمن إلى دائرة التصعيد. وقد وثقت تقارير حديثة سقوط قتلى وجرحى في هذه الهجمات، بما يؤكد أن الجنوب يواجه في الوقت نفسه ضغوطاً من أكثر من اتجاه.
لكن مواجهة الحوثيين لا تعني، بالنسبة لكثير من الجنوبيين، القبول بأي ترتيبات تُفرض على الجنوب من الخارج. وهذه هي العقدة الأساسية التي يصعب تجاوزها: الجنوب يريد أن يكون شريكاً في صناعة القرار، لا مجرد ساحة لتنفيذ قرارات الآخرين.
ومن هنا فإن الحديث عن "العدوان السعودي على الجنوب" ليس مجرد توصيف عاطفي لدى خصوم الرياض، بل هو تعبير عن حالة سياسية وعسكرية نشأت نتيجة صدام المصالح بين السعودية وقوى جنوبية كانت حتى وقت قريب جزءاً من معسكر واحد. وقد وثقت وسائل إعلام دولية اتهامات جنوبية مباشرة للسعودية بتنفيذ غارات في حضرموت، بينما عرضت مصادر أخرى الأحداث باعتبارها جزءاً من عملية عسكرية للحكومة اليمنية مدعومة من الرياض
وفي النهاية، فإن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن يتحول الجنوب إلى ضحية دائمة لصراع المحاور. فالمواطن الجنوبي الذي دفع ثمن الحرب، وفقد أبناءه في الجبهات، لا يريد أن يستبدل حرباً بحرب، ولا عدواً بعدو، ولا وصاية بوصاية.
الرسالة التي تفرضها أحداث حضرموت وما تلاها واضحة: لا يمكن بناء استقرار دائم في اليمن بالقوة وحدها، ولا يمكن تجاهل القضية الجنوبية أو التعامل مع القوات الجنوبية كأدوات مؤقتة ثم استهدافها أو إعادة تشكيلها عندما تتغير الحسابات السياسية.
فالجنوب الذي قاتل في الجبهات، وقدّم آلاف الضحايا، لن يقبل أن يكون مستقبله مرهوناً بتفاهمات غرف مغلقة. وأي تسوية حقيقية لا بد أن تبدأ من الاعتراف بأن الأمن والاستقرار لا يصنعهما القصف ولا فرض الأمر الواقع، وإنما احترام إرادة السكان، وحماية المدنيين، وفتح مسار سياسي جاد يعالج جذور القضية الجنوبية ويمنع تحويل أراضي الجنوب إلى ساحة صراع دائم بين القوى الإقليمية.
وفي ظل التحذيرات الدولية من عودة اليمن إلى حرب واسعة، تبدو الحاجة اليوم أكثر إلحاحاً إلى وقف التصعيد، والتحقيق في الانتهاكات، ورفض استهداف القوات والمجتمعات المحلية، والانتقال من منطق القوة إلى منطق الحوار. فالحرب التي بدأت تحت عنوان استعادة الدولة ومواجهة الحوثيين لا ينبغي أن تنتهي بحرب جديدة بين أبناء الجنوب وحلفائهم السابقين.
إن مستقبل الجنوب لن يُحسم بالغارات الجوية وحدها، ولا بالضغوط السياسية، ولا بتغيير خرائط النفوذ بالقوة. وما لم تُراجع القوى الإقليمية حساباتها، وتحترم إرادة الجنوبيين، فإن كل جولة جديدة من التصعيد لن تنتج سوى مزيد من الدماء والخراب وتعقيد الأزمة اليمنية.
ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه بقوة: هل تتحول حضرموت من ساحة صراع على النفوذ إلى بداية مراجعة شاملة للعلاقة بين السعودية والجنوب، أم أن الجنوب مقبل على جولة جديدة من الصراع عنوانها هذه المرة مواجهة الوصاية الخارجية؟

فيديو