من المدارس إلى الجبهات مليشيا الحوثي تجنيد إجباري والزج بالاطفال في محارق الموت والاعاقة

تقارير - منذ 5 ساعات

عين الجنوب || خاص                     

في مدينة صنعاء، لم تعد مخاوف الأسر تقتصر على الفقر وانقطاع الرواتب وتكاليف المعيشة المتصاعدة، بل باتت تمتد إلى مصير أبنائها داخل المدارس والأحياء السكنية، وسط اتهامات لمليشيات الحوثي باستدراج الأطفال والطلاب إلى معسكرات التدريب العسكري، ثم الدفع بهم إلى جبهات القتال، في رحلة قد تنتهي بالموت أو الإصابة أو الاختفاء لسنوات دون أن تعرف أسرهم عنهم شيئًا.

وبينما تُستدرج بعض العائلات بوعود الرواتب والمكافآت والامتيازات، تجد عائلات أخرى نفسها أمام مأساة مضاعفة عندما تحاول استعادة أبنائها بعد نقلهم إلى الجبهات. هناك، يتحول البحث عن طفل مفقود إلى رحلة محفوفة بالمخاطر، وقد يصبح المال الوسيلة الوحيدة المتاحة لإنقاذه، حتى لو اضطرت الأسرة إلى بيع ما تملكه لتوفير مبلغ لا يتجاوز بضع مئات من الدولارات.
وتختصر قصة الطفل حمزة، البالغ من العمر 14 عامًا، جانبًا من هذه المأساة؛ إذ اضطرت أسرته إلى بيع ذهب والدته لتوفير 120 دولارًا، مقابل تهريبه من نقطة طبية في محافظة الحديدة وإعادته إلى منطقة آمنة بعد إصابته بشظايا قذيفة هاون. غير أن ما حدث مع حمزة لا يمثل، وفق شهادات الأهالي، حالة معزولة، بل يكشف عن معاناة أسر تخشى أن تفقد أبناءها في ظروف لا تملك القدرة على مواجهتها أو معرفة تفاصيلها.

من مقاعد الدراسة إلى معسكرات التدريب
في عدد من أحياء العاصمة صنعاء، يتحدث الأهالي عن تغيرات مقلقة في حياة الطلاب، مع تصاعد المخاوف من حملات التجنيد التي تستهدف صغار السن، وتجاوزها أساليب التعبئة الفكرية والإغراءات المالية إلى الضغط والإجبار على الالتحاق بالتدريبات العسكرية.
ويقول أحد الآباء إن طلابًا في المرحلة الثانوية يُدفعون إلى التدريبات رغمًا عنهم، موضحًا أن الأمر لم يعد مرتبطًا برغبة الطالب أو موافقة أسرته، بل أصبح، بحسب شهادته، مفروضًا على بعض الطلاب تحت وطأة الضغوط التي تمارسها الجهات المشرفة على عمليات التجنيد.

وتثير هذه الممارسات مخاوف متزايدة لدى الأسر، خصوصًا في ظل صعوبة الاعتراض أو التحرك العلني لاستعادة الأبناء، خشية التعرض للتهديد أو المضايقة، أو فقدان أي فرصة للوصول إليهم بعد نقلهم إلى مواقع عسكرية مغلقة.

ولا تتوقف المأساة عند الطلاب الذين يُعرف مكان وجودهم، إذ تروي أسر ومواطنون حكايات عن أطفال اختفوا منذ سنوات، وانقطعت أخبارهم تمامًا، دون أن تتمكن عائلاتهم من معرفة ما إذا كانوا لا يزالون على قيد الحياة أو أُصيبوا أو نُقلوا إلى جبهات بعيدة.

ويروي أحد المواطنين اختفاء طفلين من حارته، كان أحدهما في الرابعة عشرة والآخر في السادسة عشرة من العمر، مشيرًا إلى أن أسرتيهما فقدتا التواصل معهما منذ نحو ثلاث سنوات، ولم تتمكنا من الوصول إلى معلومات واضحة بشأن مصيرهما.

وتعكس هذه الحالات حجم القلق الذي تعيشه عائلات تخشى أن يتحول غياب أبنائها إلى اختفاء طويل الأمد، في ظل محدودية الوسائل المتاحة أمامها للبحث عنهم، وعدم قدرتها على الوصول إلى المعسكرات أو المواقع التي يُعتقد أنهم نُقلوا إليها.
رحلات قصيرة تنتهي في معسكرات مغلقة
في حارة السنينة بصنعاء، يتحدث الأهالي عن أساليب استدراج تبدأ بوعود تبدو بسيطة ومغرية للأطفال، من بينها تنظيم رحلات قصيرة أو تقديم مصروف يومي، قبل أن يجد بعضهم أنفسهم على متن أطقم عسكرية تنقلهم إلى معسكرات مغلقة.
وبحسب هذه الروايات، لا يدرك بعض الأطفال طبيعة ما ينتظرهم إلا بعد ابتعادهم عن أحيائهم وأسرهم، حين يصبح التواصل مع ذويهم أكثر صعوبة، وتتحول العودة إلى المنزل إلى أمر خارج قدرتهم على اتخاذ القرار.

وتكمن خطورة هذه الأساليب في استهداف أطفال لا يمتلكون بالضرورة القدرة على تقدير العواقب العسكرية أو النفسية للالتحاق بالتدريبات، فضلًا عن استغلال حاجتهم إلى المال أو رغبتهم في الحصول على امتيازات أو إثبات الذات بين أقرانهم.
ومع انتقال الأطفال من المعسكرات إلى جبهات القتال، تتضاعف المخاطر التي تواجههم، إذ يصبحون عرضة للإصابة والقتل، أو للاحتجاز في مواقع بعيدة يصعب على أسرهم الوصول إليها. وفي مثل هذه الظروف، لا تعود المسألة مجرد غياب طالب عن مدرسته، بل تتحول إلى أزمة إنسانية تهدد حياة طفل ومستقبل أسرة بأكملها.
120 دولارًا لفتح طريق العودة
كانت إصابة حمزة بشظايا قذيفة هاون نقطة التحول في محنة أسرته. فالطفل، الذي ينحدر من حي مذبح في صنعاء، نُقل إلى نقطة طبية في محافظة الحديدة بعد إصابته في ساقه، بينما بقيت أسرته في العاصمة تحاول الوصول إلى أي معلومة تكشف مكانه وتتيح لها استعادته.

وبحسب رواية أسرته، تمكن والده من معرفة مكان وجوده بمساعدة ممرض ينتمي إلى الحي نفسه، وهو ما فتح نافذة ضيقة أمام محاولة إخراجه قبل أن يُعاد إلى الجبهة أو يُنقل إلى مكان آخر.
لكن الوصول إلى الطفل لم يكن كافيًا لإنقاذه؛ إذ احتاج الأب إلى وسيط يستطيع إخراجه من الموقع الطبي دون أن تتعطل المحاولة أو يُكشف أمره. وفي ظل غياب مسار آمن ومضمون لاستعادة ابنه، لم يجد الأب سوى بيع ذهب زوجته لتأمين المبلغ المطلوب.

جمع الأب 120 دولارًا، وهو المبلغ الذي قيل إنه دُفع لمهرّب تولى مهمة إخراج الطفل من الموقع.

وتشير تفاصيل الرواية إلى أن عملية التهريب جرت خلال تبديل حراسة جناح الجرحى، حيث أُخفي حمزة داخل شاحنة لنقل الخضراوات، قبل أن تبدأ رحلة ليلية انتهت بوصوله إلى أطراف محافظة تعز.

وهكذا، لم يكن مبلغ 120 دولارًا مجرد تكلفة انتقال من منطقة إلى أخرى، بل تحول إلى ثمن دفعته أسرة أنهكها الخوف، واضطرت إلى التضحية بما تملك من أجل استعادة طفلها المصاب وإبعاده عن دائرة الخطر.
وتكشف هذه القصة عن واقع بالغ القسوة، إذ تجد بعض الأسر نفسها مضطرة إلى التعامل مع وسطاء وشبكات تهريب، في محاولة لاستعادة أبنائها من مواقع لا تستطيع دخولها، أو من جهات لا تملك القدرة على إجبارها على تسليم الأطفال.

مئة دولار قد تفصل بين النجاة والمجهول
لا تقتصر محاولات استعادة الأطفال على حالة حمزة، إذ تشير شهادات متداولة في صنعاء إلى لجوء بعض الأسر إلى ممرضين أو وسطاء في المستشفيات والنقاط الطبية القريبة من الجبهات، أملاً في الوصول إلى أبنائها المصابين وإخراجهم بعيدًا عن مناطق القتال.

وتتراوح المبالغ التي تتحدث عنها هذه الشهادات بين 100 و150 دولارًا، وفقًا لطبيعة الحالة والظروف المحيطة بعملية الإخراج والتهريب.
ويقول معلم في إحدى مدارس صنعاء إن بعض الطلاب أصبحوا يغيبون عن مقاعد الدراسة بصورة مفاجئة، في وقت تتزايد فيه مخاوف المعلمين من أن يكونوا قد نُقلوا إلى مواقع تدريب عسكري دون علم أسرهم أو موافقتها.


ويشير إلى أن المشرفين المرتبطين بعمليات التجنيد يستغلون الفقر والحاجة الاقتصادية لاستقطاب الأطفال، لكن المشكلة الأكثر تعقيدًا تبدأ، بحسب شهادته، عندما تحاول الأسرة استعادة ابنها بعد وصوله إلى الجبهة.
ففي هذه المرحلة، تصبح الخيارات محدودة، وقد تضطر العائلة إلى البحث عن أشخاص لديهم القدرة على الوصول إلى الطفل أو معرفة مكانه، وسط مخاوف من أن يؤدي أي تحرك غير محسوب إلى تعقيد وضعه أو تعريضه لمزيد من الخطر.

ولا تملك الأسر الفقيرة، التي تكافح أصلًا لتوفير الغذاء والاحتياجات الأساسية، القدرة على دفع هذه المبالغ بسهولة. فبالنسبة إلى عائلة تعيش على دخل متقطع أو بلا راتب ثابت، قد يعني تأمين مئة دولار أو أكثر الاستغناء عن احتياجات أساسية أو بيع مقتنيات لا يمكن تعويضها.
والأشد قسوة أن دفع المال لا يمثل ضمانًا عامًا لنجاح عمليات الاستعادة، كما أن الأسر التي لا تستطيع توفيره قد تبقى عاجزة عن الوصول إلى أبنائها، بينما تتواصل مخاوفها بشأن مصيرهم.
عمولات مالية تغذي استقطاب الأطفال
إلى جانب الفقر والإغراءات التي تُقدم للأطفال، تتحدث شهادات تربوية عن حوافز مالية يحصل عليها بعض المشرفين مقابل استقطاب مجندين صغار السن، وهو ما يثير تساؤلات بشأن دور المصالح المادية في استمرار عمليات التجنيد.

ويقول موجه تربوي في صنعاء إن بعض المشرفين قد يحصلون على عمولات تصل إلى 50 ألف ريال يمني مقابل تجنيد كل طفل، وفقًا لما ذكره في شهادته، الأمر الذي قد يشجع على مواصلة الاستقطاب وإخفاء أماكن وجود المجندين عن أسرهم حتى نقلهم إلى المعسكرات.
ويضع هذا الجانب من القضية الأسر أمام مشكلة تتجاوز محاولات إقناع الأبناء أو منعهم من مغادرة المنازل؛ إذ تصبح عملية التجنيد، وفق هذه الروايات، مرتبطة بشبكة من المصالح والوسطاء الذين قد يجدون في حاجة الأسر والفئات الأشد فقرًا فرصة لتحقيق مكاسب مالية.

وتشير الشهادات إلى أن التحرك المبكر قد يتيح لبعض العائلات فرصة أكبر لاستعادة أبنائها قبل نقلهم إلى مواقع بعيدة، لكن هذه الفرصة تتضاءل كلما تقدم مسار التجنيد وانتقل الطفل من محيطه الاجتماعي إلى المعسكرات والجبهات.
ويقول الموجه التربوي إن الاستعانة بعقال الحارات والوجهاء، والتحرك السريع للضغط على المشرفين، قد يساعد أحيانًا في إعادة الأطفال قبل نقلهم خارج صنعاء، خصوصًا عندما تشعر الجهات القائمة على الاستقطاب بأن القضية قد تتحول إلى مشكلة اجتماعية واسعة أو تنكشف تفاصيلها أمام الأهالي.

لكن هذه الوسائل تظل محدودة التأثير، ولا توفر حماية مضمونة لجميع الأطفال، ولا سيما أولئك الذين نُقلوا بالفعل إلى معسكرات في صعدة أو إلى جبهات مأرب والجوف.

وفي تلك المرحلة، تصبح عودة الطفل أكثر تعقيدًا، وقد تتحول من محاولة لاستعادته عبر الوساطات الاجتماعية إلى رحلة فرار محفوفة بالمخاطر.
وتتحدث روايات محلية كذلك عن تعرض أطفال حاولوا الهروب من مواقع عسكرية لإطلاق النار أو القتل، في حوادث يُقال إنها استُخدمت لترهيب بقية المجندين ومنعهم من المغادرة. وتظل هذه الوقائع بحاجة إلى التحقق المستقل، لكنها تعكس مستوى الخوف الذي يحيط بمحاولات الهروب كما تصفها الشهادات.

الفقر بوابة الاستدراج الأخطر
لا يمكن فصل عمليات استقطاب الأطفال عن الظروف الاقتصادية التي تعيشها قطاعات واسعة من الأسر اليمنية، خصوصًا مع انقطاع الرواتب أو عدم انتظامها، وتراجع القدرة الشرائية، وارتفاع تكاليف المعيشة.

ففي بيئة تتزايد فيها حاجة الأسر إلى مصادر الدخل، تصبح الوعود المالية أكثر قدرة على التأثير في الأطفال واليافعين، لا سيما عندما تُقدم لهم رواتب شهرية أو أسلحة أو وعود بمكانة اجتماعية ونفوذ بين أقرانهم.

وتروي شهادة من صنعاء أن أحد المشرفين حاول استدراج فتى يبلغ من العمر 16 عامًا، عارضًا عليه راتبًا وبندقية كلاشينكوف، الأمر الذي دفع والده إلى مواجهته ورفض العرض بصورة قاطعة.
ويقول الأب، في تعبير يلخص حجم المأساة التي تواجهها العائلات الفقيرة: «نجوع في بيتنا ولا أرسل ابني للموت المحقق».

وتكشف هذه العبارة عن صراع يومي تعيشه بعض الأسر بين الحاجة الاقتصادية والخوف على حياة أبنائها. فبينما قد تبدو الوعود المالية فرصة لتخفيف أعباء المعيشة، يدرك بعض الآباء أن الثمن المحتمل قد يكون فقدان الطفل أو إصابته أو عودته محملًا بآثار حرب لا يستطيع استيعابها.

كما أن استهداف طلاب المدارس يهدد بتقويض حقهم في التعليم، ويضع مستقبلهم أمام احتمالات خطرة، تبدأ بالانقطاع عن الدراسة، وقد تنتهي بالانخراط في القتال أو الاختفاء بعيدًا عن أسرهم.
النجاة من الجبهة لا تعني نهاية الحرب
إذا كان خروج الطفل من المعسكر أو الجبهة يمثل نهاية مرحلة من الخطر، فإنه لا يعني بالضرورة انتهاء معاناته. فالأطفال الذين يعودون أحياء قد يحملون إصابات جسدية وآثارًا نفسية عميقة، تجعل العودة إلى الحياة الطبيعية أكثر صعوبة مما تتوقعه أسرهم.
ويشير الأخصائي النفسي والاجتماعي ماهر جابر إلى أن الحديث عن تجنيد الأطفال غالبًا ما ينشغل بأعداد الذين يذهبون إلى الجبهات والمبالغ التي تدفعها أسرهم لاستعادتهم، بينما لا تحظى المعاناة النفسية التي تبدأ بعد الهروب أو العودة بالاهتمام الكافي.
ويعاني بعض الأطفال العائدين، وفقًا لهذه الشهادة، من الكوابيس واضطرابات النوم والخوف المستمر، فضلًا عن الآثار الجسدية للإصابات التي تعرضوا لها خلال وجودهم في مناطق القتال.
وتصبح هذه الأعراض أكثر تعقيدًا عندما يجد الطفل نفسه مضطرًا إلى استعادة حياته المدرسية والاجتماعية في وقت لا تزال فيه ذاكرته مشبعة بمشاهد العنف وأصوات الانفجارات وفقدان الأصدقاء.
فالطفل الذي يُعاد إلى منزله لا يعود بالضرورة بالشخصية نفسها التي غادر بها. وقد يحتاج إلى رعاية صحية وتأهيل نفسي واجتماعي مستمر، وإلى بيئة أسرية ومدرسية آمنة تساعده على استعادة الشعور بالاستقرار والثقة.
وتبرز هنا مسؤولية لا تقل أهمية عن إنقاذ الأطفال من التجنيد، تتمثل في توفير الدعم للناجين ومساعدتهم على تجاوز التجارب التي مروا بها، بدل تركهم يواجهون آثارها بمفردهم.
«جسمي فيه شظايا.. وعقلي ما زال في الخندق»
تتجسد هذه المعاناة في شهادة الطفل عبد الحميد، أحد العائدين من جبهات القتال، الذي يصف كيف تلاحقه مشاهد الحرب حتى بعد خروجه منها.
يقول الطفل إنه يستيقظ مذعورًا كل ليلة، وكأنه لا يزال يسمع أصوات قذائف الهاون، ويتذكر أصدقاءه الذين شاهدهم يُصابون أمام عينيه، في مشاهد تركت داخله جروحًا لا تقل قسوة عن الإصابات الجسدية.
ويختصر عبد الحميد تجربته بالقول: «أنا خرجت وجسمي فيه شظايا، بس عقلي ما زال هناك في الخندق».
وتكشف هذه الكلمات عن الوجه الأقل ظهورًا لمأساة تجنيد الأطفال؛ فبينما قد تنتهي رحلة الهروب بوصول الطفل إلى منزل أسرته، لا تنتهي بالضرورة الحرب التي يعيشها داخله.
وقد تظل الذكريات المؤلمة والخوف والكوابيس حاضرة في تفاصيل حياته اليومية، فتؤثر في نومه ودراسته وعلاقاته بالآخرين، وتجعله بحاجة إلى مساعدة متخصصة لاستعادة إحساسه بالأمان.
كما أن الأطفال الذين يفقدون أصدقاءهم أو يشهدون إصابات خطيرة قد يواجهون صعوبة في التعبير عن تجاربهم، خصوصًا في البيئات التي لا تتوافر فيها خدمات كافية للصحة النفسية أو لا يُنظر فيها إلى هذه المعاناة بوصفها حاجة ملحة تستحق العلاج.
ومن هنا، فإن إنقاذ الطفل من الجبهة يمثل الخطوة الأولى فقط، بينما تتطلب عودته الحقيقية إلى الحياة توفير الرعاية الصحية والنفسية، وإعادة دمجه في التعليم والمجتمع، وحمايته من التعرض مجددًا للاستغلال أو التجنيد.
أسر بين الخوف والصمت والبحث عن المفقودين
في صنعاء، تجد أسر الأطفال الذين يُقال إنهم جُنّدوا أو نُقلوا إلى الجبهات نفسها أمام خيارات محدودة. فبعضها يحاول الاستعانة بالوجهاء وعقال الحارات قبل انتقال الطفل إلى المعسكرات، فيما تلجأ أسر أخرى إلى البحث عن وسطاء قادرين على الوصول إلى مواقع وجود أبنائها.
لكن الخوف من العواقب قد يدفع بعض العائلات إلى الصمت، خصوصًا عندما تعتقد أن الاعتراض العلني قد يعرّض الطفل لمخاطر إضافية أو يغلق الأبواب المتاحة أمام استعادته.
وفي حالات أخرى، تتحول الأسرة إلى باحث دائم عن معلومة، تتنقل بين الاتصالات والسؤال لدى المعارف ومحاولة الوصول إلى المستشفيات أو النقاط الطبية، دون أن تملك ضمانًا بأن تنتهي هذه المحاولات بنتيجة.
وتزداد المعاناة عندما يمر الوقت دون أخبار، كما في حالات الأطفال الذين انقطعت صلتهم بأسرهم لسنوات. فغياب المعلومات لا يترك العائلة أمام خسارة واضحة يمكن التعامل معها، بل يبقيها عالقة بين الأمل والخوف، غير قادرة على معرفة مصير ابنها أو تحديد الخطوة التالية.
وتسلط هذه الوقائع الضوء على الحاجة إلى آليات فعالة للبحث عن الأطفال المفقودين، والتحقق من أماكن وجودهم، وحمايتهم من التجنيد، وضمان وصول الأسر إلى المعلومات المتعلقة بمصيرهم.
كما تبرز أهمية حماية المدارس من الاستغلال العسكري، وتعزيز قدرة المؤسسات التربوية والاجتماعية على رصد حالات الاستدراج والانقطاع المفاجئ عن الدراسة، بما يساعد على التدخل المبكر قبل نقل الأطفال إلى مواقع يصعب الوصول إليها.
مأساة تتجاوز التجنيد إلى استنزاف الأسر
لا تقف تداعيات تجنيد الأطفال عند حدود الطفل الذي يُدفع إلى القتال، بل تمتد إلى الأسرة بأكملها، التي تجد نفسها أمام أعباء مالية ونفسية واجتماعية متراكمة.
فالأب الذي يبيع مقتنيات أسرته لإنقاذ ابنه لا يخسر المال وحده، بل يعيش تجربة من الخوف والعجز قد تترك آثارها على جميع أفراد العائلة. والأم التي تنتظر عودة طفلها لا تعرف إن كان سيعود سليمًا، أو مصابًا، أو محملًا بذكريات لا تستطيع مساعدته على تجاوزها بمفردها.
أما الأسر التي لا تستطيع دفع تكاليف التهريب، فتظل أمام سؤال مؤلم لا تملك إجابة عنه: كيف يمكن استعادة طفل أصبح بعيدًا عن متناولها، في ظل غياب وسيلة آمنة ومضمونة للوصول إليه؟
وتزداد قسوة المشهد حين تصبح العودة مرتبطة بالقدرة المالية، بحيث تستطيع بعض الأسر تأمين المبالغ المطلوبة عبر بيع الذهب أو الاقتراض، بينما تعجز أسر أخرى عن توفير حتى الحد الأدنى من تكاليف محاولة الإنقاذ.
وفي ظل هذه الظروف، لا يمكن التعامل مع القضية باعتبارها مجرد حالات فردية متفرقة، بل بوصفها مأساة إنسانية تمس حق الأطفال في الحماية والتعليم والحياة بعيدًا عن ساحات القتال.
إن استغلال الفقر لاستقطاب الصغار، ونقلهم من المدارس إلى معسكرات التدريب، وحرمان أسرهم من الوصول إليهم بسهولة، كلها ممارسات تثير مخاوف بالغة بشأن سلامة الأطفال ومستقبلهم، وتستدعي تحركًا جادًا لحمايتهم ومنع الزج بهم في النزاع المسلح.
وفي الوقت نفسه، يحتاج الأطفال الذين نجحوا في العودة إلى برامج دعم وتأهيل تعالج إصاباتهم وتساعدهم على تجاوز الصدمات النفسية، حتى لا تتحول النجاة الجسدية إلى معاناة مستمرة تلاحقهم لسنوات.
في نهاية المطاف، قد تكون الـ120 دولارًا قد فتحت أمام حمزة طريقًا للخروج من جحيم الجبهة، لكنها لا تقدم حلًا لمأساة الأطفال الذين ما زالوا هناك، ولا تمنح أسرهم ضمانًا لاستعادتهم.
وبين طفل عاد يحمل شظايا في جسده وذكريات في عقله، وآخر اختفى دون أن تعرف أسرته مصيره، تبقى الحقيقة الأكثر إيلامًا أن بعض العائلات باتت تبحث عن أبنائها كما لو أنها تبحث عن مفقودين في حرب لا تنتهي.
فكم طفلًا لا يزال ينتظر فرصة للعودة؟ وكم أسرة تعجز عن دفع ثمن نجاته، أو لا تعرف حتى أين تبدأ رحلة البحث عنه؟

فيديو