حضرموت بين مخالب النهب ووصاية القرار: أزمة الثروة والهوية في معقل الجنوب الاستراتيجي

تقارير - منذ 3 ساعات

حضرموت || عين الجنوب || خاص:
تعود محافظة حضرموت، بثرائها النفطي وموقعها الاستراتيجي وعمقها التاريخي الجنوبي، لتتصدر واجهة المشهد السياسي والاقتصادي في اليمن والجنوب، وسط تصاعد الغضب الشعبي جراء استمرار مصادرة قرارها السياسي ونهب مواردها، في وقت يعاني فيه المواطنون من تردٍ غير مسبوق في الخدمات وغياب أبسط مقومات المعيشة الكريمة.
وفي ظل تداخل الأجندات وتشابك المصالح الإقليمية والمحلية، يبرز السؤال الأشد إلحاحاً: أين يذهب عائد هذه الأرض المعطاءة، ولماذا يُبقي القرار الحضرمي أسير تجاذبات تبعد أبناء المحافظة عن صدارة المشهد في أرضهم؟

 الهوية الجنوبية والعمق التاريخي: جذور لا تقبل العزل
تُعد حضرموت ركيزة أساسية من ركائز الجنوب التاريخية والحضارية والسياسية؛ فإسهاماتها عبر التاريخ لم تقتصر على كونها خزاناً بشرياً واقتصادياً، بل كانت جزءاً صلبًا من نسيج الحركة الوطنية الجنوبية.

ويرى محللون سياسيون أن محاولات الالتفاف على خصوصية حضرموت أو سلخها عن محيطها وهويتها الجنوبية الممتدة إنما تأتي في سياق مشاريع سياسية تهدف إلى تفتيت الجغرافيا الجنوبية وتفريغها من قوتها الاستراتيجية. ومن هنا، فإن أي معركة حقوقية أو اقتصادية يخوضها أبناء حضرموت اليوم هي في جوهرها جزء لا يتجزأ من النضال الوطني الجنوبي الأوسع لاستعادة الحقوق والسيادة الكاملة على الأرض والمقدرات.

مفارقة الثروة والفقر: أرقام نفطية وخدمات منهارة
على الرغم من كون حضرموت الشريان الاقتصادي الأبرز، حيث تحتضن أهم حقول النفط والمقومات البحرية والزراعية، إلا أن المفارقة الصارخة تتمثل في تردي البنية التحتية وأزمات الكهرباء والمياه المستحكمة، فضلاً عن ارتفاع معدلات البطالة بين صفوف الشباب.
وفي هذا السياق، تؤكد تقارير اقتصادية ومطالب شعبية متكررة أن الأزمة لا تكمن في شح الموارد، بل في غياب الشفافية المالية؛ حيث تُدار عائدات النفط عبر قنوات مركزية وغامضة، مع حرمان المجتمع المحلي من معرفة حجم الإيرادات الحقيقية وأوجه إنفاقها، الأمر الذي يتحول معه الغنيمة النفطية إلى نقمة على المواطن البسيط الذي يكتوي بنار الغلاء وانقطاع الخدمات.

 الأمن المفقود: ساحة للصراعات على النفوذ
لا ينفصل الملف الأمني عن الجانبين الاقتصادي والسياسي؛ فحضرموت تشهد تحديات أمنية متزايدة نتيجة تعدد التشكيلات العسكرية وتقاطع مصالح مراكز النفوذ التي تحاول جعل المحافظة ساحة نفوذ لا بيئة استقرار.
وتؤكد القيادات المحلية والمجتمعية أن تحقيق الأمن الحقيقي يتطلب تفكيك هذا التعقيد عبر بناء منظومة أمنية وعسكرية جنوبية خالصة ومهنية، تُسند إدارتها بالكامل لأبناء المحافظة الأقدر على حماية جغرافيتهم ومنشآتهم الحيوية بعيداً عن التوظيف السياسي أو إذكاء الانقسامات.

مصادرة القرار: من يحكم حضرموت فعلياً؟
يُعد ملف "صنع القرار" العقدة الأبرز في الأزمة الحضرمية. فحين تتداخل الإرادة المحلية مع الحسابات الخارجية، يصبح القرار السياسي والاقتصادي والأمني رهينة لتسويات تهمش المؤسسات المحلية والمجتمع المدني.
وتتصاعد اليوم أصوات النخب الحضرمية ومنظمات المجتمع المدني مطالبة بضرورة تمكين المؤسسات المحلية المنتخبة أو المعبرة عن إرادة الشارع من إدارة شؤون المحافظة بشكل كامل، باعتبار أن القرار المستقل هو الضمانة الوحيدة لتحويل الثروات إلى مشاريع تنموية مستدامة تخدم الجيلين الحاضر والمستقبل.

إن معالجة أزمة حضرموت لم تعد تحتمل الحلول الترقيعية أو الوعود المؤجلة؛ فهي تتطلب حزمة خطوات عملية تبدأ بـ:
 فرض الشفافية المالية وكشف عقود وإيرادات الثروات الطبيعية.
 
 تثبيت الهوية الجنوبية والتصدي لكل مشاريع التهميش أو العزل التاريخي.
 بناء مؤسسات أمنية محلية جنوبي مستقلة ومهنية.
 نقل صلاحيات القرار المالي والإداري والسياسي إلى أبناء المحافظة أنفسهم.
فحضرموت التي لطالما كانت منارة للعطاء والتاريخ، لن تقبل بأن تبقى بقرة حلوباً لغير أهلها، وأن تظل هويتها وثرواتها عرضة للنهب والقرار المصادر.

فيديو