حين تُزرع الفتنة في الخفاء… من يعبث بوحدة الجنوب؟

تقارير - منذ 8 ساعات

عدن، خاص || عين الجنوب

في مشهد يتكرر بصور مختلفة منذ سنوات، تبرز إلى السطح مؤشرات مقلقة عن مسار غير بريء يستهدف تمزيق النسيج الاجتماعي الجنوبي، مسار لا يبدو وليد اللحظة ولا نتاج خلافات عابرة، بل مشروع ممتد يجري العمل عليه بهدوء وبتخطيط متعدد الأدوات منذ عام 2015، مستفيدًا من تعقيدات الواقع السياسي والأمني، ومتغذيًا على هشاشة الظروف التي يعيشها المواطن.
هذا المسار، كما يراه مراقبون، لا يعتمد على المواجهة المباشرة، بل يتسلل عبر بوابات ناعمة تبدأ بالتحريض الإعلامي وتضخيم الخلافات المحلية، ثم تتوسع إلى تغذية حساسيات مناطقية واجتماعية، وصولًا إلى خلق اصطفافات داخل المكون الواحد، بحيث يتحول الاختلاف الطبيعي إلى صراع، والتنوع الاجتماعي إلى حالة انقسام حاد. وفي هذا السياق، لم تسلم أي منطقة تقريبًا من محاولات الاستهداف، إذ جرى اللعب على أوتار الهوية والانتماء، سواء بين أبناء حضرموت أنفسهم، أو بينهم وبين بقية المحافظات، وكذلك الحال في أبين ومحيطها، وحتى داخل مناطق ذات نسيج متماسك تاريخيًا، حيث أُعيد إحياء خلافات قديمة أو اختُرعت أخرى جديدة.
ولم يعد خافيًا أن هذه التحركات تتغذى على أدوات أكثر تأثيرًا، في مقدمتها المال السياسي الذي يُستخدم لتوجيه بعض الأصوات وصناعة مواقف تخدم حالة الانقسام، إلى جانب منصات إعلامية تعمل على بث خطاب مشحون يعمّق الفجوة بين مكونات المجتمع، ويعيد إنتاج الكراهية بشكل ممنهج. ومع مرور الوقت، تتحول هذه التراكمات إلى واقع معقد يصعب تفكيكه، حيث تتآكل الثقة بين أبناء المجتمع الواحد، ويصبح التفاهم أكثر صعوبة، فيما تتسع دائرة الشكوك والاتهامات.
اللافت في هذا المشهد أن الأهداف لا تقف عند حدود إثارة الفوضى أو خلق صراعات آنية، بل تتجاوز ذلك إلى إضعاف البنية الاجتماعية برمتها، وجعلها أقل قدرة على التماسك في مواجهة التحديات، وأكثر قابلية للتأثير الخارجي. فالمجتمع المنقسم يسهل التحكم به، وتوجيهه، وإعادة تشكيل أولوياته بما يخدم مصالح قوى تسعى لإبقاء الوضع في حالة اضطراب دائم.
وفي ظل هذا الواقع، تتصاعد المخاوف من أن استمرار هذه الديناميكيات قد يقود إلى مرحلة أكثر خطورة، تتجذر فيها الانقسامات وتتحول إلى أمر واقع، يصعب تجاوزه حتى مع تغير الظروف السياسية. وهو ما يضع الجميع أمام مسؤولية حقيقية تتطلب إعادة النظر في طبيعة الخطاب السائد، والتوقف عن الانجرار خلف محاولات الاستقطاب، والعمل على تعزيز مساحات التلاقي بدلاً من توسيع فجوات الخلاف.
إن المعركة اليوم لم تعد فقط على الأرض أو في السياسة، بل باتت معركة وعي بالدرجة الأولى، حيث يصبح إدراك طبيعة هذه التحركات هو الخطوة الأولى لإفشالها. فكلما ارتفع مستوى الوعي المجتمعي، تراجعت فرص نجاح مشاريع التفكيك، وكلما تمسك الناس بروابطهم المشتركة، سقطت رهانات من يسعى لإعادة تشكيل المجتمع على أسس الصراع والانقسام.
وفي نهاية المطاف، يبقى السؤال الأهم معلقًا: هل يدرك الجميع حجم ما يُحاك في الخفاء قبل أن تتحول الشروخ الصغيرة إلى صدوع يصعب ترميمها، أم أن الوقت سيمضي كفيلًا بفرض واقع جديد عنوانه الانقسام، وثمنه وحدة مجتمع

فيديو