دمج مفخخ أم تفكيك ممنهج؟.. القوات المسلحة الجنوبية بين فخ “إعادة الهيكلة” وخطر ضياع الهوية

تقارير - منذ 1 ساعة

خاص| عين الجنوب                 

في ظل التحولات السياسية والعسكرية المتسارعة التي تشهدها الساحة اليمنية، يبرز ملف “دمج وتفكيك القوات المسلحة الجنوبية” كأحد أكثر الملفات حساسية وخطورة، ليس فقط على المستوى العسكري، بل على صعيد الهوية السياسية والأمنية للجنوب برمته. فبين دعوات توحيد التشكيلات تحت مظلة وطنية شاملة، ومخاوف حقيقية من استهداف بنية هذه القوات، يقف الجنوب أمام مفترق طرق قد يعيد رسم ملامح مستقبله لعقود قادمة.
القوات المسلحة الجنوبية لم تتشكل في فراغ، بل جاءت نتيجة سنوات من الصراع والتضحيات، حيث لعبت دورًا محوريًا في مواجهة التهديدات الأمنية، وعلى رأسها الجماعات المتطرفة والتنظيمات الإرهابية، إلى جانب دورها في تثبيت الأمن في مناطق كانت تعاني من الفوضى والانهيار. هذه القوات، التي تشكلت من أبناء الجنوب، اكتسبت مع الوقت طابعًا خاصًا يعكس إرادة محلية وهوية نضالية متجذرة.
لكن الحديث عن “الدمج” في السياق الحالي يثير تساؤلات عميقة: هل هو خطوة نحو بناء مؤسسة عسكرية وطنية موحدة، أم غطاء لإعادة توزيع النفوذ وتفكيك قوة عسكرية أثبتت فاعليتها على الأرض؟ المخاوف تتصاعد من أن تتحول عملية الدمج إلى أداة لإذابة هذه القوات داخل هياكل لا تعكس خصوصية الجنوب، أو تخضع لتوازنات سياسية قد لا تراعي تضحياته.
التجارب السابقة في اليمن تشير إلى أن عمليات إعادة الهيكلة العسكرية غالبًا ما كانت مشوبة بالتسييس، حيث يتم استخدامها كوسيلة لإقصاء أطراف وتعزيز أخرى، بدلًا من أن تكون خطوة مهنية قائمة على الكفاءة والاحتراف. وهو ما يجعل الشارع الجنوبي ينظر بعين الريبة لأي تحركات في هذا الاتجاه، خاصة إذا لم تكن مصحوبة بضمانات واضحة تحافظ على استقلالية القرار العسكري الجنوبي.
من جهة أخرى، فإن “التفكيك” يُنظر إليه كخطر أكبر، إذ يعني عمليًا إنهاء كيان عسكري متماسك، واستبداله بتشكيلات مبعثرة أو دمج عناصره بشكل فردي في وحدات قد لا تحترم خصوصيتهم أو دورهم السابق. هذا السيناريو قد يفتح الباب أمام فراغ أمني خطير، ويعيد إنتاج الفوضى التي عانى منها الجنوب في مراحل سابقة.
كما أن أي محاولة لإضعاف هذه القوات قد تُفسر في السياق الشعبي على أنها استهداف مباشر للمشروع الجنوبي، وهو ما قد يؤدي إلى تصعيد سياسي وربما ميداني، في ظل تمسك قطاعات واسعة من المجتمع الجنوبي بضرورة الحفاظ على مكتسباته العسكرية كجزء من قضيته السياسية.
في المقابل، لا يمكن إنكار أهمية وجود مؤسسة عسكرية منظمة وموحدة، لكن ذلك يجب أن يتم وفق أسس واضحة، تضمن الشراكة الحقيقية، وتحترم خصوصية كل مكون، بعيدًا عن الإملاءات أو الضغوط الخارجية. فنجاح أي عملية دمج مرهون بمدى شفافيتها، وعدالتها، وقدرتها على تحقيق التوازن بين متطلبات الدولة وحقوق الأطراف المختلفة.
المعادلة تبدو معقدة، لكن جوهرها بسيط: أي إصلاح عسكري لا ينطلق من احترام الواقع والتضحيات، ولا يهدف إلى تعزيز الأمن والاستقرار بشكل حقيقي، سيكون مجرد خطوة نحو مزيد من الانقسام. وبين الدمج والتفكيك، يبقى السؤال الأهم: هل هناك إرادة لبناء جيش يعكس تطلعات الجميع، أم أن ما يجري هو إعادة تشكيل للخريطة العسكرية وفق حسابات ضيقة؟
في النهاية، يبقى مصير القوات المسلحة الجنوبية مرتبطًا بقدرة القيادات السياسية والعسكرية على قراءة المرحلة بوعي، وتجنب الانزلاق نحو قرارات قد تبدو في ظاهرها إصلاحية، لكنها تحمل في طياتها مخاطر استراتيجية عميقة. فالجنوب، الذي دفع ثمنًا باهظًا للوصول إلى ما هو عليه اليوم، لا يحتمل مغامرات غير محسوبة في واحدة من أهم ركائزه: قوته العسكرية.

فيديو