الإمارات لماذا قررت كسر قيود النفط والخروج من عباءة أوبك

تقارير - منذ 7 ساعات

عين الجنوب خاص                  


في لحظة بدت للكثيرين أشبه بإعلان نهاية مرحلة كاملة من تاريخ الطاقة في الخليج، فجّرت الإمارات مفاجأة سياسية واقتصادية بإعلان انسحابها من منظمة أوبك بعد عقود طويلة من العضوية التي ارتبطت باسم الدولة منذ بدايات تشكلها الحديثة. القرار الذي أعاد خلط أوراق سوق النفط العالمية لم يكن مجرد خطوة تقنية مرتبطة بالإنتاج والأسعار، بل رسالة استراتيجية تقول إن أبوظبي لم تعد ترى نفسها دولة تدور في فلك النفط وحده، وإنما قوة اقتصادية عالمية تسعى لقيادة مرحلة جديدة تتجاوز الحسابات التقليدية لمنظمة تأسست في زمن مختلف وعالم مختلف.
السفير الإماراتي لدى الولايات المتحدة يوسف مانع العتيبة قدّم رواية سياسية واقتصادية عميقة لهذا التحول، مستعيدًا ذاكرة والده وزير النفط الإماراتي الأسبق مانع سعيد العتيبة الذي عاش سنوات الصراع داخل أوبك خلال انهيارات أسعار النفط في ثمانينيات القرن الماضي، حين كانت المنظمة بالنسبة للدول النفطية بمثابة مظلة حماية جماعية في مواجهة اضطرابات الأسواق العالمية. لكن ما كان صالحًا قبل أربعين عامًا، وفق الرؤية الإماراتية الجديدة، لم يعد مناسبًا لدولة أعادت تشكيل اقتصادها بالكامل.
الإمارات اليوم لا تريد أن تُختزل في صورة “الدولة النفطية” التقليدية، فالنمو الاقتصادي فيها بات يعتمد بصورة متزايدة على قطاعات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والطيران والخدمات اللوجستية والسياحة والصناعات المتقدمة. وخلال سنوات قليلة فقط، نسجت أبوظبي شبكة واسعة من الشراكات الاقتصادية والاستثمارية مع قوى إقليمية ودولية كبرى، ما جعلها تتحرك بعقلية اقتصادية عالمية أكثر منها دولة تبحث عن حصص إنتاج داخل منظمة نفطية.
وفي خلفية القرار، يبرز عامل أكثر حساسية يتعلق بمفهوم “أمن الطاقة العالمي”. فالإمارات ترى أن العالم يتجه نحو مرحلة شديدة الاضطراب، وأن الحاجة لم تعد فقط في التحكم بالأسعار، بل في ضمان تدفق الإمدادات بصورة مستقرة وسريعة إلى الأسواق الدولية. ومن هنا جاء التوجه الإماراتي نحو توسيع الطاقة الإنتاجية إلى خمسة ملايين برميل يوميًا خلال الأعوام القادمة، مع ضخ استثمارات هائلة في الموانئ وخطوط الأنابيب وسلاسل الإمداد العالمية.
لكن هذه الرؤية، بحسب الطرح الإماراتي، كانت تصطدم بقيود أوبك ونظام الحصص الجماعية الذي يحد من قدرة الدول على التوسع بحرية. ولذلك تنظر أبوظبي إلى الخروج من المنظمة باعتباره تحررًا استراتيجيًا يسمح لها بالتحرك وفق مصالحها الاقتصادية والجيوسياسية الخاصة، بعيدًا عن الحسابات الجماعية التي باتت تراها غير متناسبة مع طموحاتها الجديدة.
اللافت أن الخطاب الإماراتي لم يكتفِ بالشق الاقتصادي، بل حمل رسائل سياسية مباشرة، خصوصًا تجاه إيران، إذ اعتبرت أبوظبي أن استمرار طهران داخل أوبك رغم التوترات والهجمات التي تستهدف الملاحة والطاقة في الخليج يتناقض مع الهدف الأساسي للمنظمة المتمثل في حماية استقرار الأسواق وضمان تدفق الإمدادات. وبهذا المعنى، فإن الانسحاب الإماراتي بدا أيضًا وكأنه إعلان اعتراض ضمني على التوازنات السياسية داخل المنظمة نفسها.
وفي الوقت الذي يتحدث فيه كثيرون عن مستقبل الطاقة النظيفة والتحول بعيدًا عن النفط، تحاول الإمارات تقديم نموذج مختلف يقوم على استخدام عائدات النفط لتمويل مشاريع المستقبل. فمن خلال شركات مثل مصدر ومشاريع الطاقة النووية ومحافظ الاستثمار منخفضة الكربون التابعة لـ أدنوك، تسعى أبوظبي لتقديم نفسها كدولة تقود التحول الطاقوي بدل أن تكون ضحية له.
ولهذا تبدو مغادرة أوبك بالنسبة للإمارات أكثر من مجرد انسحاب من منظمة نفطية؛ إنها إعلان انتقال إلى مرحلة جديدة بالكامل، مرحلة تريد فيها أبوظبي أن تكون لاعبًا عالميًا مستقلًا في الاقتصاد والطاقة والتكنولوجيا والاستثمار، لا مجرد عضو داخل تحالف يتحكم بالإنتاج والأسعار. فالدولة التي دخلت أوبك وهي تبحث عن الاستقرار والحماية، تغادرها اليوم وهي ترى نفسها قادرة على صناعة النفوذ منفردة، بثقة دولة تعتقد أن المستقبل لم يعد يُبنى داخل آبار النفط فقط، بل في مراكز التكنولوجيا والموانئ العملاقة وشبكات التجارة العالمية والتحالفات الاقتصادية العابرة للقارات.

فيديو