ثروات الجنوب في مرمى النفوذ.. كيف عادت قوى النهب تحت شعارات الشرعية

تقارير - منذ 7 ساعات

عين الجنوب || خاص                
لم يكن الجنوبيون يعتقدون أن السنوات الثقيلة التي أعقبت حرب صيف 1994 يمكن أن تعود بالصورة ذاتها، لكن المشهد اليوم يبدو للكثيرين وكأنه إعادة إنتاج لمرحلة طويلة من استنزاف الثروة والقرار والسيادة الاقتصادية، وإن اختلفت الأدوات وتبدلت الوجوه. فمع كل أزمة سياسية أو انهيار اقتصادي أو توتر أمني، يعود الحديث مجددًا عن ثروات الجنوب، وعن الجهات التي تستفيد من استمرار الفوضى وتعطيل أي مشروع حقيقي يمنح أبناء الجنوب حق إدارة مواردهم بعيدًا عن شبكات النفوذ التقليدية التي حكمت المشهد لعقود.
على امتداد ثلاثين عامًا، ظل النفط والغاز والموانئ والأراضي والثروات السمكية في قلب الصراع، بينما بقي المواطن الجنوبي يعيش أزمات متلاحقة في الكهرباء والخدمات والمرتبات والبنية التحتية. هذه المفارقة صنعت قناعة واسعة لدى قطاعات كبيرة من الشارع الجنوبي بأن هناك من يتعمد إبقاء الجنوب منطقة مفتوحة للاستنزاف الاقتصادي، وأن الحرب لم تكن فقط حربًا عسكرية أو سياسية، بل معركة طويلة للسيطرة على الثروة ومصادر النفوذ.
ويرى مراقبون أن ما يحدث اليوم ليس منفصلًا عن إرث طويل من شبكات المصالح التي تشكلت بعد الوحدة، ثم توسعت بعد الحرب، حيث تحولت الثروة الجنوبية إلى مركز نفوذ لقوى سياسية وعسكرية وتجارية راكمت نفوذها عبر السيطرة على الموارد والعقود والإيرادات. ومع كل محاولة جنوبية لإعادة تنظيم المؤسسات أو فرض رقابة على الموارد، تتصاعد حملات سياسية وإعلامية وأمنية تستهدف إرباك المشهد وإغراقه بالأزمات.
اللافت أن عودة الجدل حول الثروات تتزامن دائمًا مع تصاعد المطالب الجنوبية بتمكين المؤسسات المحلية ومنح المحافظات المنتجة دورًا أكبر في إدارة مواردها. وهو ما يفسره ناشطون جنوبيون بأنه خوف من فقدان مراكز النفوذ التي اعتادت لعقود التعامل مع الجنوب باعتباره خزانًا اقتصاديًا مفتوحًا لا شريكًا في القرار والثروة.
وفي المحافظات الغنية بالنفط والغاز، تتكرر الشكاوى الشعبية من غياب التنمية رغم مليارات الدولارات التي خرجت من باطن الأرض خلال العقود الماضية. مدن تعيش الظلام والبطالة وارتفاع الأسعار، في وقت تتحدث فيه تقارير اقتصادية عن موارد ضخمة كان يفترض أن تنعكس على حياة الناس لا أن تتحول إلى وقود لصراعات سياسية ومراكز قوى متشابكة.
ويربط كثير من الجنوبيين بين تدهور الخدمات واستمرار الصراع على الثروة، معتبرين أن الأزمات المعيشية لم تعد مجرد نتيجة للحرب، بل وسيلة ضغط تُستخدم لإضعاف أي حالة وعي شعبي تطالب باستعادة القرار الاقتصادي والسياسي. فكلما ارتفعت الأصوات المطالبة بحماية الموارد وتعزيز الشفافية، عادت موجات التوتر ومحاولات خلط الأوراق وفتح معارك جانبية تستنزف الشارع وتبعد الأنظار عن جوهر القضية.
كما يتهم ناشطون قوى سياسية تقليدية باستخدام شعارات الوحدة والشرعية غطاءً للإبقاء على منظومة المصالح القديمة، في حين أن جوهر الصراع ـ بحسب رؤيتهم ـ ظل اقتصاديًا بالدرجة الأولى. فالثروة بالنسبة لتلك القوى ليست مجرد مورد مالي، بل أداة نفوذ تتحكم عبرها بالقرار السياسي والعسكري والإعلامي، وهو ما يفسر ـ من وجهة نظرهم ـ المقاومة الشرسة لأي ترتيبات قد تمنح الجنوب استقلالية أكبر في إدارة موارده.
وفي ظل الانهيار الاقتصادي الحالي، تبدو معركة الثروة أكثر تعقيدًا من أي وقت مضى. فالقوى المتصارعة تدرك أن من يملك الموارد يملك القدرة على البقاء والتأثير، ولهذا تحولت بعض المحافظات الجنوبية إلى ساحات تنافس محتدم بين مراكز نفوذ متعددة، بعضها داخلي وبعضها مرتبط بحسابات إقليمية أوسع، بينما يبقى المواطن العادي هو الخاسر الأكبر وسط دوامة الانهيار وارتفاع الأسعار وتراجع الخدمات.
ومع اتساع الوعي الشعبي بالقضايا الاقتصادية، لم يعد الحديث عن الثروة مجرد ملف سياسي للنخب، بل تحول إلى قضية رأي عام ترتبط بحياة الناس اليومية ومستقبل الأجيال القادمة. كثيرون في الجنوب باتوا يعتقدون أن معركة الهوية والسيادة لا تنفصل عن معركة حماية الموارد، وأن أي مشروع سياسي لا يضمن إدارة عادلة وشفافة للثروة سيعيد إنتاج الأزمات نفسها مهما تغيرت الشعارات.
وفي خضم هذا المشهد المعقد، يبقى السؤال الأكثر حضورًا في الشارع الجنوبي: من المستفيد من إبقاء الجنوب غارقًا في الأزمات رغم ما يمتلكه من ثروات هائلة؟ ولماذا تتعثر كل محاولات بناء مؤسسات قادرة على حماية الموارد وتحويلها إلى مشاريع تنمية حقيقية؟ أسئلة تتردد بقوة في المقاهي والأسواق ووسائل الإعلام ومواقع التواصل، فيما يشعر كثير من الجنوبيين أن معركة استعادة القرار الاقتصادي أصبحت بالنسبة لهم قضية وجود لا مجرد مطلب سياسي عابر. فمن يريد اعاده قوى الشمال التي استمرت اكثر من ثلاثه عقود تستنزف ثروات الجنوب وبعد ان تمكن الجنوبيون من طردها جاء اليوم من يعيدها مره اخرى لاستنزاف الجنوب تحت شعار الوحده المزعومه التي لايعرف منها شعب الجنوب سوى الهيمنه والضلم والنهب المن ضم للثروه

فيديو