وطنٌ على حافة الانهيار.. شعبٌ يذوب جوعًا وسلطةٌ تنفق المليارات في الفنادق الفارهة والمنتجعات الخارجية

تقارير - منذ 6 ساعات

 عين الجنوب|| خاص:
لم يعد المشهد في الجنوب مجرد أزمة معيشية عابرة أو تعثر اقتصادي يمكن احتماله، بل تحول إلى صورة يومية قاسية تختصر حجم الانهيار الذي يعيشه المواطن في تفاصيل حياته الصغيرة، من طوابير البريد المزدحمة بالمتقاعدين والموظفين، إلى البيوت التي أنهكها الغلاء وانقطاع الكهرباء وغياب أبسط الخدمات. الناس الذين خرجوا يومًا وهم يحملون أحلام التغيير والإنقاذ، وجدوا أنفسهم بعد سنوات طويلة أمام واقع أكثر مرارة، حيث تآكلت الرواتب حتى أصبحت عاجزة عن تأمين الحد الأدنى من احتياجات أسرة لأيام معدودة، بينما تتسع الهوة بين الشارع والسلطة بشكل غير مسبوق.
في كل صباح تتكرر المشاهد ذاتها؛ رجال كبار يفترشون الأرصفة تحت حرارة الشمس بانتظار راتب بالكاد يكفي ثمن دقيق وزيت وسكر، وموظفون يطاردون مستحقاتهم بين أبواب البنوك والبريد في رحلة إذلال طويلة، بينما الأسعار تواصل صعودها الجنوني بلا رحمة. لم تعد الرواتب تمثل مصدر أمان للناس، بل تحولت إلى مجرد رقم هزيل يتبخر خلال أيام قليلة أمام موجة الغلاء وانهيار العملة واحتكار الأسواق وغياب أي رقابة حقيقية على الوضع الاقتصادي المنهار.
وفي المقابل، تبدو السلطة بعيدة تمامًا عن هذا الواقع. مسؤولون يقيمون خارج البلاد، يتحركون بين الفنادق والعواصم، وينفقون المليارات على شبكات النفوذ والإعلام والولاءات السياسية، بينما المواطن في الداخل يواجه مصيره وحيدًا بلا كهرباء ولا مياه مستقرة ولا خدمات صحية أو تعليمية تحفظ الحد الأدنى من الكرامة الإنسانية. الفارق الهائل بين حياة الناس وحياة الطبقة الحاكمة خلق حالة غضب مكتوم تتسع يومًا بعد آخر، خصوصًا مع استمرار الحديث عن موارد وثروات ضخمة لا يلمس المواطن منها شيئًا سوى المزيد من الفقر والانهيار.
الشارع اليوم لم يعد يصدق الوعود التي تتكرر مع كل أزمة، لأن الواقع أثبت أن شيئًا لا يتغير سوى ازدياد المعاناة. سنوات طويلة من الشعارات السياسية والمشاريع المعلنة لم تنعكس على حياة الناس بأي تحسن حقيقي، بل على العكس تمامًا، ازدادت ساعات انقطاع الكهرباء، وتضاعفت أسعار المواد الأساسية، وتراجعت قيمة الرواتب إلى مستويات غير مسبوقة، حتى باتت كثير من الأسر عاجزة عن توفير الغذاء والدواء ومتطلبات الحياة الأساسية.
الأخطر من ذلك أن حالة الصمت التي تسود الشارع لا تعني الرضا بقدر ما تعكس حجم الإحباط الذي وصل إليه الناس. كثيرون فقدوا الثقة بكل الأطراف، وباتوا يشعرون أن معاناتهم تحولت إلى ورقة يتم استغلالها في الصراعات السياسية والإعلامية دون وجود حلول حقيقية على الأرض. المواطن الذي كان ينتظر دولة تحميه وجد نفسه عالقًا بين فساد مستمر وصراعات نفوذ وتبادل اتهامات، بينما حياته اليومية تنهار تدريجيًا أمام عينيه.
ومع استمرار هذا المشهد القاتم، تتزايد المخاوف من أن يتحول الانهيار الاقتصادي والخدمي إلى انفجار اجتماعي واسع، خصوصًا مع اتساع رقعة الفقر وغياب أي مؤشرات جادة لمعالجة الأزمات المتراكمة. فالشعوب قد تصبر طويلًا على الحرب والأزمات، لكنها حين تصل إلى مرحلة العجز عن تأمين لقمة العيش تفقد قدرتها على الاحتمال، وعندها يصبح الغضب الشعبي أكثر خطورة من أي صراع سياسي أو عسكري.
اليوم لم يعد السؤال متى تتحسن الأوضاع، بل إلى أي مدى يمكن أن يستمر هذا الانهيار قبل أن يبتلع ما تبقى من ثقة الناس وأملهم بالحياة. ففي بلد تتكدس فيه الثروات وتُهدر فيه المليارات بعيدًا عن معاناة المواطنين، تبدو الأرصفة المزدحمة بالموظفين والمتقاعدين أصدق تعبير عن حجم المأساة من كل الخطب والوعود والشعارات.

فيديو