بين مطرقة الحوثي وسندان التطرف.. كيف تحوّل شعار “اليمن الواحد” إلى بوابة للتهديد وطريق للفوضى؟

تقارير - منذ 5 ساعات

عدن عين الجنوب| خاص         


في واحدة من أكثر المراحل اضطرابًا وتعقيدًا، عاد خطاب “اليمن الواحد” إلى الواجهة بوصفه الحل الوحيد المطروح في مواجهة الانهيار السياسي والعسكري، غير أن هذا الشعار الذي كان يُقدَّم يومًا باعتباره مشروع استقرار وشراكة وطنية، تحوّل مع مرور السنوات إلى أداة ضغط سياسي تُستخدم لتخويف الناس في الجنوب من أي خيار مختلف، حتى بات يُطرح على الشارع باعتباره معادلة قاسية لا تقبل سوى خيارين: القبول بالواقع بكل أزماته، أو السقوط في الفوضى والتطرف والحرب المفتوحة.
ومع تصاعد حالة الانقسام واتساع رقعة الصراع، يرى مراقبون أن أخطر ما أنتجه هذا الخطاب هو تحويله النقاش السياسي من البحث عن حلول حقيقية إلى صناعة “فزاعة دائمة”، تقوم على التلويح بسيناريوهات مرعبة تبدأ بتمدد الحوثيين ولا تنتهي عند عودة التنظيمات المتشددة والجماعات العابرة للحدود، وكأن الشعوب لا تملك الحق في التفكير بمستقبل مختلف خارج حدود الخوف والابتزاز السياسي.
ويؤكد محللون أن الخطاب القائم على “الوحدة أو الخراب” يعكس أزمة عميقة داخل القوى التي تتبناه، إذ لم يعد قادرًا على إقناع الشارع بقدر ما يعتمد على إثارة القلق من البديل. فبعد سنوات طويلة من الحرب والانهيار الاقتصادي وغياب الخدمات وتفكك المؤسسات، باتت قطاعات واسعة ترى أن الشعارات القديمة استُهلكت بالكامل، وأن القوى التي رفعتها فشلت في بناء دولة حقيقية أو حماية المجتمع من الانهيار، بل ساهمت في تعميق الأزمات وتحويل البلاد إلى ساحة مفتوحة للصراعات الإقليمية وتبادل النفوذ.
وفي ظل هذا الواقع، تتزايد المخاوف من أن استمرار الفشل السياسي والأمني سيخلق بيئة مثالية لعودة الجماعات المتشددة التي لطالما استفادت من الفراغات والانقسامات. فكلما ضعفت مؤسسات الدولة وتراجعت سلطة القانون، ازدادت قدرة التنظيمات المسلحة على إعادة التموضع وفرض وجودها، سواء تحت شعارات دينية أو أمنية أو حتى مناطقية، وهو ما يجعل مستقبل المنطقة أكثر هشاشة وتعقيدًا من أي وقت مضى.
ويرى متابعون أن التلويح المستمر بورقة “التطرف” لا يأتي دائمًا في إطار التحذير الحقيقي، بل يُستخدم أحيانًا كوسيلة لإجبار الناس على القبول بالأمر الواقع مهما كان فاشلًا، في محاولة لإبقاء المشهد السياسي جامدًا دون أي مراجعة حقيقية للأسباب التي قادت إلى هذا الانهيار الكبير. فبدل الاعتراف بفشل إدارة الدولة وغياب العدالة وتفشي الفساد، يجري اختزال الأزمة في معركة شعارات عاطفية لم تعد تملك التأثير ذاته على مجتمع أنهكته الحروب والأزمات المتلاحقة.
وفي المقابل، ترتفع أصوات تدعو إلى إعادة صياغة المعادلة السياسية بالكامل، انطلاقًا من أن الاستقرار لا يمكن أن يُبنى على التخويف أو فرض المشاريع بالقوة، بل على أسس واضحة تقوم على الشراكة والعدالة واحترام إرادة الناس. ويؤكد أصحاب هذا الطرح أن أي مشروع لا يستند إلى قبول شعبي حقيقي سيظل هشًا ومعرضًا للانفجار، مهما امتلك من دعم سياسي أو عسكري.
ومع استمرار التوترات الإقليمية والتجاذبات الداخلية، تبدو المنطقة أمام مرحلة مفصلية لم يعد السؤال فيها من ينتصر سياسيًا، بل من يستطيع منع الانهيار الشامل، ووقف الانزلاق نحو نماذج أكثر عنفًا وتطرفًا قد تجعل سنوات الحرب الماضية مجرد بداية لفوضى أكبر وأكثر خطورة.

فيديو