الإمارات والتصدي لاعتداءات إيران.. «استراتيجية ردع» تحمي السيادة (خبراء

دراسات وتحليلات - منذ ساعتان

عين الجنوب | العين الاخبارية       
لم تعد دولة الإمارات تنظر إلى الاعتداءات الإيرانية باعتبارها مجرد رسائل ضغط عابرة، بل باتت تتعامل معها ضمن معادلة ردع واضحة تقوم على حماية أمن الدولة ومنع فرض أي وقائع بالقوة في الخليج والمنطقة.



سياق تبدو فيه دولة الإمارات وكأنها ترسم حدوداً جديدة للتعامل مع طهران؛ حدودا تجعل كلفة التصعيد أعلى من مكاسبه، وتمنع تحويل الخليج إلى ساحة مفتوحة للصواريخ والمسيرات، بحسب خبراء استطلعت العين الإخبارية «آراءهم».



وكانت وزارة الخارجية الإماراتية قد أكدت أن جميع الإجراءات التي اتخذتها دولة الإمارات جاءت في إطار التدابير الدفاعية الهادفة إلى حماية سيادتها ومدنييها وبنيتها التحتية الحيوية، بما ينسجم مع حق الدولة في حماية أمنها الوطني وصون استقرارها، مشددة في الوقت نفسه، على أن دولة الإمارات تحتفظ بكامل حقوقها السيادية والقانونية والدبلوماسية والعسكرية في مواجهة أي تهديد أو عمل عدائي، وأن محاولات الضغط أو الترويج للمزاعم المغرضة لن تؤثر على مواقفها الثابتة، ولن تثنيها عن حماية مصالحها الوطنية العليا وصون سيادتها واستقلال قرارها.

إعادة صياغة مفهوم الردع
وإلى ذلك، قال المحلل السياسي الإماراتي وعضو المجلس الوطني الاتحادي السابق ضرار الفلاسي، في حديث لـ«العين الإخبارية»، إن دولة الإمارات أعادت صياغة مفهوم الردع من كونه رداً انفعالياً أو تصعيدياً إلى منظومة دفاعية وسيادية متكاملة تقوم على حماية الدولة والمدنيين والبنية التحتية الحيوية، مع الحفاظ في الوقت نفسه على أمن المنطقة واستقرارها.

فالردع في المقاربة الإماراتية لا يعني البحث عن مواجهة مفتوحة، بل تأكيد أن أي تهديد لأمن دولة الإمارات وسيادتها سيُقابل بإجراءات محسوبة، قانونية ودبلوماسية ودفاعية، تمنع المعتدي من تحقيق أهدافه أو فرض معادلات ضغط جديدة، بحسب الفلاسي.

وأوضح أن الرسائل الإماراتية تشير إلى أن الردع لم يعد مقتصراً على الجانب العسكري فقط، بل أصبح يجمع بين الجاهزية الدفاعية، والشرعية القانونية، والحراك الدبلوماسي، والتنسيق الخليجي والدولي، وبهذا المعنى، تقدم دولة الإمارات نموذجاً للردع المسؤول الذي يوازن بين الصرامة في حماية السيادة، والحكمة في تجنب دفع المنطقة نحو مزيد من الصراعات.

معادلة دقيقة
وحول نجاح الإمارات في فرض معادلة «الردع دون الانزلاق للحرب»، قال عضو المجلس الوطني الاتحادي السابق، إن دولة الإمارات نجحت في ترسيخ معادلة دقيقة تقوم على الحزم دون التهور، والردع دون الانجرار إلى الحرب، مشيرًا إلى أن إجراءاتها جاءت في إطار دفاعي مشروع، هدفه حماية الأمن الوطني وصون المدنيين والمنشآت الحيوية، وليس توسيع نطاق المواجهة أو تحويل التوتر إلى حرب إقليمية مفتوحة.



معادلة تكمن أهميتها في أنها تسحب من الطرف المعتدي القدرة على فرض إيقاع التصعيد، وتضع بدلاً من ذلك حدوداً واضحة: أمن الإمارات وسيادتها خط أحمر، لكن الرد سيبقى منضبطاً بمقتضيات القانون والمصلحة الوطنية والاستقرار الإقليمي، يضيف الفلاسي، مشيرًا إلى أن نجاح الإمارات لا يُقاس فقط بقدرتها على التصدي للتهديد، بل أيضاً بقدرتها على منع التهديد من التحول إلى فوضى أوسع تمس شعوب المنطقة.

رسائل سياسية وعسكرية
واعتبر أن الإجراءات الأخيرة التي أشار إليها بيان وزارة الخارجية الإماراتية، تحمل رسائل سياسية وعسكرية واضحة، فسياسياً، تؤكد دولة الإمارات أن سيادتها ليست موضع مساومة، وأنها تحتفظ بكامل حقوقها السيادية والقانونية والدبلوماسية في مواجهة أي تهديد أو عمل عدائي، كما تؤكد أن حملات الضغط أو الترويج للمزاعم لن تغير من ثوابت الدولة أو من قرارها المستقل في حماية مصالحها الوطنية العليا.

أما عسكرياً، فالرسالة الأبرز هي أن دولة الإمارات تمتلك إرادة وقدرة على حماية أراضيها ومدنييها وبنيتها التحتية، وأن أي اعتداء بالصواريخ أو المسيرات لن يمر باعتباره مجرد حادث عابر.

وأشار إلى أن الردع الإماراتي هنا يقوم على إبلاغ الطرف الآخر بأن كلفة التهديد ستكون أعلى من أي مكاسب سياسية أو أمنية متوقعة، وأن الدولة مستعدة لاستخدام كل الأدوات المشروعة للدفاع عن أمنها.

نموذج إماراتي استثنائي
ويقول الفلاسي إنه يمكن النظر إلى الردع الإماراتي باعتباره نموذجاً خليجياً جديداً، لأنه يجمع بين الوضوح في تحديد مصادر التهديد، والحزم في حماية السيادة، والانضباط في إدارة التصعيد، مشيرًا إلى أن هذا النموذج لا يقوم على المغامرة العسكرية، ولا على الاكتفاء بالإدانة السياسية، بل على مقاربة متعددة الأدوات تربط الدفاع الوطني بالتحرك الدبلوماسي وبالتنسيق الإقليمي والدولي.

وتبرز خصوصية النموذج الإماراتي في أنه يضع الاستقرار هدفاً نهائياً، لا مجرد شعار. فهو يبعث برسالة إلى إيران وغيرها بأن دول الخليج قادرة على حماية أمنها ومصالحها، لكنها في الوقت ذاته لا تسعى إلى الحرب ولا إلى إشعال المنطقة. ومن هذه الزاوية، فإن الردع الإماراتي يقدم تصوراً عملياً لكيفية مواجهة التهديدات من دون التضحية بثوابت الأمن والاستقرار والتنمية.



وأكد أن دولة الإمارات تنظر إلى خطر الصواريخ الباليستية وصواريخ كروز والطائرات المسيرة باعتباره تهديداً مباشراً للأمن الوطني والإقليمي، لا سيما عندما يستهدف المدنيين والمنشآت الحيوية والبنية التحتية المدنية، كون هذا النوع من التهديدات يتجاوز الطابع العسكري التقليدي، لأنه يهدف إلى زعزعة الثقة بالأمن، وتعطيل الحياة المدنية، والضغط على الدول من خلال استهداف ركائز الاستقرار والتنمية.

وأحصت دولة الإمارات، في بيانها الصادر عن وزارة الخارجية، إطلاق ما يقارب 3000 صاروخ باليستي وصاروخ كروز وطائرة مسيرة باتجاه دولة الإمارات، ما أسفر عن سقوط قتلى ووقوع إصابات بين المدنيين، بالإضافة إلى أضرار لحقت بالبنية التحتية المدنية، في انتهاك واضح لسيادة الدول وتهديد مباشر لأمن المنطقة واستقرارها.

ومن منظور دولة الإمارات، فإن خطورة هذه الأسلحة تكمن في أنها قابلة للاستخدام في نمط تصعيدي واسع، وقد تؤدي إلى سوء تقدير يجر المنطقة إلى مواجهات أكبر، لذلك تؤكد دولة الإمارات أن التعامل مع هذه التهديدات يجب أن يكون جماعياً ومنسقاً، وأن أمن الملاحة والطاقة والمدنيين والبنى التحتية في الخليج والمنطقة يرتبط مباشرة بوقف هذا السلوك العدائي وردعه بوضوح.

الموقف الإماراتي وحسابات إيران مستقبلاً.. رسائل حازمة
وبحسب الفلاسي، فإن الموقف الإماراتي يوجه رسالة استراتيجية إلى إيران مفادها أن سياسة التهديد أو استخدام الصواريخ والمسيرات لن تحقق مكاسب سياسية، بل ستؤدي إلى زيادة العزلة ورفع مستوى التنسيق الإقليمي والدولي ضد مصادر الخطر.، فكلما لجأت طهران إلى أدوات التصعيد، عززت دولة الإمارات ومعها شركاؤها من حضور معادلة ردع أكثر تماسكا ووضوحاً.

موقف سيدفع إيران إلى إعادة تقييم كلفة أي تحرك عدائي ضد دولة الإمارات أو دول المنطقة، لأن دولة الإمارات أظهرت أنها تجمع بين الصبر الاستراتيجي والحزم السيادي، فهي لا تستدرج إلى مواجهة غير محسوبة، لكنها في الوقت نفسه لا تسمح بتحويل ضبط النفس إلى نقطة ضعف، وبالتالي، فإن الرسالة الأهم هي أن أمن الإمارات ليس ساحة اختبار، وأن أي تهديد مستقبلي سيقابَل بسياسة أكثر تنسيقاً وصلابة على المستويين الخليجي والدولي.

إمكانيات استثنائية وجاهزية عالية
الأمر نفسه، أشار إليه الدكتور جاسم خلفان المحلل السياسي الإماراتي، في حديث لـ«العين الإخبارية»، إن الإجراءات الإماراتية، رسالة لإيران وغيرها، بأن دولة الإمارات لديها كل الإمكانيات، والسلاح، ورجال القوات المسلحة (أبناء الوطن) لردع كل من تسول له نفسه الاعتداء على الإمارات.

وأوضح المحلل السياسي الإماراتي، أن دولة الإمارات نجحت في فرض معادلة الردع على كل من يعتدي عليها دون الانزلاق والدخول في حرب، مشيرًا إلى أنها بعثت برسائل سياسية وعسكرية من خلال إجراءاتها التي قامت بها لكل دول العالم، وبالتأكيد كان لإيران النصيب الأكبر من هذه الرسالة.



وأكد أهمية وجود تنسيق خليجي مشترك، لتعزيز سياسة الردع الإماراتية، معتبرًا الردع الإماراتي نموذجاً ليس فقط خليجياً، لكن عربياً كذلك- في الرد ومواجهة وردع إيران عن اعتداءاتها الرعناء، وتصرفاتها الإرهابية التي ما زالت تفكر في احتلال وفرض وصايتها على الدول.

وأشار إلى أن الموقف الإماراتي كان له أثر واضح، على إيران أولاً، والمنطقة ثانياً، ثم العالم ثالثاً، مؤكدًا أن الاعتداءات الإيرانية، أثبتت أن سعي دولة الإمارات كان صائبا، في تجهيز قواتها المسلحة بأفضل التقنيات والمعدات، وإعداد أبناء الوطن، لخدمته وقت الضرورة، فضلا عن تأكيد أن دولة الإمارات قادرة على ضرب من يعتدي عليها في عقر داره.

التنسيق الخليجي
يقول الفلاسي، إن التنسيق الخليجي يمثل ركيزة أساسية في سياسة الردع الإماراتية، لأن التهديدات الإيرانية لا تستهدف دولة بعينها فقط، بل تمس أمن الخليج والمنطقة ككل، ومن ثم، فإن التشاور الوثيق مع دول مجلس التعاون يعزز وحدة الموقف الخليجي، ويبعث برسالة واضحة مفادها أن أمن أي دولة خليجية هو جزء من الأمن الجماعي للمنظومة الخليجية.

كما أن التنسيق الخليجي يرفع كلفة أي سلوك عدائي، لأنه يحول الردع من موقف وطني منفرد إلى موقف إقليمي منسق، قادر على إنتاج توازن سياسي وأمني أكثر صلابة، بحسب الفلاسي، الذي أشار إلى أنه بالنسبة لدولة الإمارات، فإن العمل الخليجي المشترك لا يُعد خياراً تكتيكياً عابراً، بل هو امتداد لرؤية استراتيجية ترى أن حماية الاستقرار الإقليمي تبدأ من وحدة الصف الخليجي وتكامل أدواته الدفاعية والدبلوماسية.

في السياق نفسه، قال البرلماني البحريني السابق والأمين العام للمبادرة البرلمانية العربية جمال بوحسن، إن دولة الإمارات عززت التنسيق الخليجي من خلال التطبيق الفعلي لاتفاقية الدفاع الخليجي المشترك من جهة والتكامل الخليجي الشامل في كافة المجالات وعلى جميع الأصعدة من جهة أخرى، من منطلق ترسيخ مفهوم الأمن الجماعي باعتباره خط الدفاع الأول في مواجهة الاعتداءات الإيرانية.

وأوضح أن دولة الإمارات لعبت دوراً محورياً في توحيد الخطاب الخليجي تجاه المخاطر الإقليمية، بما يعكس إدراكاً استراتيجياً بأن أي تهديد لدولة خليجية هو تهديد مباشر لمنظومة مجلس التعاون بأكملها.

وشدد على أن تأكيد دولة الإمارات على استمرار التشاور الخليجي يحمل دلالات سياسية عميقة، فالقيادة الإماراتية الرشيدة أثبتت أن دول الخليج تتحرك ضمن رؤية موحدة تجاه التحديات الأمنية والإقليمية، وأنها ترفض أي محاولات لخلق تباينات أو اختراقات داخل البيت الخليجي.

كما أن الرسالة السياسية الأهم تتمثل في أن أمن الخليج غير قابل للتجزئة، وأن القرارات المصيرية تُبنى على التنسيق الجماعي لا على التحركات الفردية، وهو ما يعزز قوة الموقف الخليجي أمام المجتمع الدولي وأمام طهران على حد سواء.

تنسيق، حقق نجاحاً باهرا وواضحاً في توحيد المواقف تجاه الاعتداءات الإيرانية، مما ساهم في بناء موقف سياسي وأمني وإعلامي موحد، عزز قدرة دول الخليج على التحرك المشترك في المحافل الدولية والإقليمية.


وأشار إلى أن دولة الإمارات تنطلق من رؤية استراتيجية تعتبر أن الأمن الإقليمي لا يمكن تحقيقه عبر سياسات فردية أو انعزالية، بل عبر منظومة جماعية متماسكة، لذلك حرصت على دعم الشراكات الخليجية والعربية، وتعزيز التنسيق الدفاعي والأمني، والعمل ضمن تحالفات تحفظ استقرار المنطقة.

نهج يعكس نضجاً سياسياً وإدراكاً بأن مواجهة التحديات المعقدة، مثل تهديدات الصواريخ والطائرات المسيّرة، تتطلب عملاً جماعياً متكاملاً لا جهوداً منفردة، بحسب البرلماني البحريني السابق.

ذلك التنسيق الإماراتي الخليجي أفشل الحسابات والخطط الإيرانية التي حاكها النظام الإيراني طوال عقود مضت للهيمنة الإقليمية حيث إن التنسيق الخليجي أعاد صياغة حسابات طهران الإقليمية، لأنه أظهر أن دول الخليج باتت أكثر تماسكاً وقدرة على الردع السياسي والأمني.

كما أن وحدة الموقف الخليجي تقلص فرص استغلال الخلافات البينية، وتحد من قدرة إيران على ممارسة الضغوط أو توظيف أدواتها التقليدية في المنطقة. وبالتالي فإن تصاعد التنسيق الخليجي يفرض على طهران إعادة تقييم استراتيجياتها القائمة على التمدد والنفوذ غير المباشر.

خطأ إيران الكبير

يقول مدير مؤسسة الجيوستراتيجي للدراسات الإيرانية، إبراهيم كابان، في حديث لـ«العين الإخبارية»، إن إيران كانت تعتقد أن دول الخليج ستتعامل مع التهديدات بمنطق الاحتواء والتهدئة فقط، لكن التطورات الأخيرة أظهرت أن هناك تحوّلاً خليجياً نحو تعزيز الردع والتنسيق الأمني المشترك، مشيرًا إلى أن طهران لم تتوقع هذا المستوى من التقارب الخليجي، خصوصاً مع وجود إدراك متزايد بأن أي تهديد لأمن دولة خليجية بات يُنظر إليه كتهديد جماعي للاستقرار الإقليمي.

وأوضح أن إيران باتت تخشى من تحوّل الردع الإماراتي إلى نموذج خليجي موحّد، لأن نجاح أي نموذج خليجي قائم على الردع الجماعي سيعني عملياً تقليص النفوذ الإيراني تدريجياً.

وأشار إلى أن طهران تدرك أن دولة الإمارات تمتلك ثقلاً اقتصادياً ودبلوماسياً متنامياً، وإذا تحوّل هذا الثقل إلى إطار أمني خليجي موحّد، فسيؤدي ذلك إلى خلق معادلة جديدة في المنطقة تختلف عن السنوات السابقة.

وأوضح أن وحدة الموقف الخليجي تفرض على إيران إعادة حساباتها السياسية والأمنية، لأن طهران لطالما استفادت من التباينات داخل المنطقة، أما اليوم، فكلما ارتفع مستوى التنسيق الخليجي تقلّ قدرة إيران على الاستثمار في الانقسامات أو ممارسة الضغوط السياسية المنفردة، مما يعني انتقال الخليج إلى مرحلة أكثر تنظيماً في إدارة التوازنات الإقليمية.

فيديو