الإفلاس السياسي حين تدار السلطة بالخوف وتنسى احتياجات الناس

تقارير - منذ 1 ساعة

عدن ، عين الجنوب خاص

في تاريخ الشعوب والدول لم تسقط سلطة لأن صورة عُلقت على جدار، ولم تنهار دولة بسبب لوحة أو شعار أو رمز سياسي، بل سقطت السلطات حين انشغلت بمعاركها الصغيرة ونسيت معارك الناس الكبرى. سقطت عندما تحولت أولوياتها من معالجة الأزمات إلى ملاحقة الرموز، ومن تحسين حياة المواطنين إلى مراقبة الجدران واللافتات، ومن خدمة المجتمع إلى فرض الوصاية عليه.
فالسلطة التي ترى في صورة معلقة تهديداً أكبر من الجوع الذي ينهش بطون الناس، وفي رأي مخالف خطراً أعظم من انهيار الخدمات وتردي الأوضاع المعيشية، تكون قد فقدت البوصلة التي تربطها بمواطنيها. إذ إن شرعية أي سلطة لا تُقاس بقدرتها على إزالة الصور أو إسكات الأصوات، بل بقدرتها على توفير الأمن والاستقرار وتحسين مستوى الحياة وصون كرامة الإنسان.
وعبر التاريخ، كانت أسباب سقوط الأنظمة واضحة ومتكررة؛ الفساد، والظلم، وتجاهل معاناة الناس، والعجز عن إدارة الاقتصاد، والانشغال بالصراعات الجانبية على حساب احتياجات المواطنين الأساسية. فالشعوب قد تصبر على الخلافات السياسية، لكنها لا تصبر طويلاً على الجوع والحرمان وانسداد الأفق.
إن المواطن البسيط لا يشغله كثيراً ما إذا كانت هذه الصورة موجودة أو تلك اللافتة معلقة، بقدر ما يشغله الحصول على راتب يكفي أسرته، وكهرباء مستقرة، ومياه نظيفة، وفرصة عمل تحفظ كرامته. وعندما يشعر الناس أن السلطة أصبحت أكثر اهتماماً بمراقبة الجدران من مراقبة الأسعار، وأكثر انشغالاً بملاحقة الرموز من ملاحقة الفساد، فإن الفجوة بينها وبين المجتمع تتسع يوماً بعد يوم.
السلطات القوية لا تخشى الصور، لأنها تستمد قوتها من ثقة الناس. أما السلطات التي ترتبك أمام رمز أو صورة أو رأي، فإنها تقدم اعترافاً ضمنياً بأن مشكلتها ليست في الصورة ذاتها، بل في ضعف قدرتها على معالجة الأسباب الحقيقية للسخط الشعبي.
ولذلك فإن أخطر ما يمكن أن تصل إليه أي سلطة هو أن تتحول من مؤسسة خدمية تسعى لتلبية احتياجات المواطنين إلى جهاز رقابي منشغل بتفاصيل شكلية لا تمس جوهر حياة الناس. عندها يصبح المواطن مجرد متهم محتمل، وتصبح الجدران أكثر أهمية من البشر، وتتحول الإدارة العامة إلى حالة من الإفلاس السياسي الذي يعجز عن إنتاج الحلول فيلجأ إلى صناعة المعارك الوهمية.
إن الحكمة السياسية تقتضي أن تُوجَّه الجهود نحو معالجة الأزمات الاقتصادية وتحسين الخدمات وتعزيز العدالة وترسيخ الثقة بين الدولة والمجتمع. فهذه هي المعارك التي تكسب احترام المواطنين وتمنح الشرعية الحقيقية. أما الانشغال بالصور والشعارات والرموز فلن يغير واقعاً اقتصادياً متردياً، ولن يطفئ غضباً شعبياً سببه الفقر أو التهميش أو سوء الإدارة.
وفي النهاية، تبقى الحقيقة التي أكدها التاريخ مراراً: الجدران لا تُسقط الأنظمة، لكن تجاهل الناس يفعل. والصور لا تهدد السلطات، لكن فقدان ثقة المواطنين هو التهديد الأكبر. وحين تخاف السلطة من صورة أكثر مما تخاف من معاناة شعبها، فإنها تكون قد دخلت مرحلة الإفلاس السياسي التي تسبق دائماً لحظات التحول الكبرى في حياة الأمم.

فيديو