باب المندب بين التهديدات المتصاعدة والحاجة إلى شراكة جنوبية فاعلة

السياسة - منذ ساعتان

عدن، عين الجنوب ||خاص

في ظل التحولات المتسارعة التي تشهدها منطقة البحر الأحمر ومضيق باب المندب، عاد الحديث مجدداً حول أهمية القوى المحلية القادرة على الإسهام في حماية أحد أهم الممرات البحرية في العالم، ذلك الممر الذي تعبر منه سنوياً آلاف السفن التجارية وناقلات النفط، ويشكل شرياناً حيوياً للتجارة الدولية وأمن الطاقة العالمي.
ومع تصاعد التوترات الإقليمية واتساع نطاق الصراع البحري في المنطقة، يبرز في الأوساط السياسية والإعلامية رأي مفاده أن تجاهل دور الجنوب وقواه المحلية في أي ترتيبات أمنية تخص البحر الأحمر وباب المندب قد يخلق فراغاً أمنياً ينعكس سلباً على استقرار المنطقة بأكملها. ويرى أصحاب هذا الطرح أن الجغرافيا والتاريخ والارتباط المباشر بالممرات البحرية تجعل من الجنوب طرفاً رئيسياً في معادلة الأمن البحري لا يمكن تجاوزه أو التعامل معه باعتباره مجرد عامل ثانوي.
ويمثل مضيق باب المندب نقطة استراتيجية بالغة الحساسية، إذ يربط بين البحر الأحمر وخليج عدن والمحيط الهندي، الأمر الذي يجعله هدفاً دائماً للتنافس الإقليمي والدولي. وقد أثبتت التطورات الأخيرة أن أي اضطراب أمني في هذه المنطقة لا يقتصر تأثيره على الدول المطلة عليها فحسب، بل يمتد ليطال الاقتصاد العالمي وسلاسل الإمداد وأسعار الطاقة والتجارة الدولية.
ويشير محللون إلى أن التهديدات المتزايدة للملاحة البحرية خلال السنوات الماضية كشفت الحاجة إلى وجود منظومة أمنية متماسكة تعتمد على شركاء محليين يمتلكون المعرفة الجغرافية والخبرة الميدانية والقدرة على التحرك السريع. ومن هذا المنطلق، يرى أنصار هذا التوجه أن أي استراتيجية طويلة الأمد لحماية الممرات البحرية يجب أن تأخذ بعين الاعتبار الواقع السياسي والأمني على الأرض، وأن تمنح القوى المحلية دوراً يتناسب مع حجم المسؤوليات والتحديات القائمة.
وفي المقابل، يحذر مراقبون من أن استمرار حالة الفراغ أو ضعف التنسيق بين مختلف الأطراف الفاعلة قد يفتح المجال أمام مزيد من التدخلات الخارجية ومحاولات توسيع النفوذ الإقليمي في مناطق شديدة الحساسية. كما يرون أن التنافس الدولي المحتدم حول البحر الأحمر يجعل من الضروري بناء شراكات أمنية مستقرة وقادرة على التعامل مع التحديات المتجددة بعيداً عن الحسابات المؤقتة أو الحلول المرحلية.
وتكتسب هذه الرؤية أهمية إضافية في ظل المخاوف المتزايدة من تنامي نفوذ القوى الإقليمية الساعية إلى استخدام الممرات البحرية كورقة ضغط سياسية أو عسكرية. فكلما ازدادت حالة الاضطراب أو غابت الترتيبات الأمنية الفاعلة، ارتفعت احتمالات استغلال تلك الفجوات من قبل أطراف تسعى إلى تعزيز حضورها أو التأثير في حركة الملاحة الدولية.
ويرى مؤيدو إشراك الجنوب في معادلات الأمن البحري أن نجاح أي مشروع لحماية باب المندب والبحر الأحمر يرتبط بقدرته على الاستفادة من الإمكانات المحلية الموجودة على الأرض، وأن التجارب السابقة أثبتت أن الأمن المستدام لا يمكن أن يتحقق بالاعتماد على التدخلات الخارجية وحدها، بل يحتاج إلى شراكة حقيقية مع القوى القادرة على تحمل المسؤولية وتأمين المناطق الحيوية بشكل مباشر.
ومهما اختلفت الرؤى السياسية حول مستقبل المنطقة، فإن هناك اتفاقاً واسعاً على أن باب المندب لم يعد مجرد مضيق بحري عادي، بل أصبح جزءاً من معادلة دولية معقدة ترتبط بأمن الطاقة والتجارة العالمية والتوازنات الإقليمية. ومن هنا تبرز أهمية البحث عن مقاربات أكثر شمولاً تأخذ في الاعتبار جميع الأطراف المؤثرة على الأرض، بما يضمن تعزيز الاستقرار وحماية الملاحة الدولية ومنع تحول هذا الممر الاستراتيجي إلى ساحة مفتوحة للصراعات والتجاذبات الإقليمية والدولية.

فيديو