السعودية والجنوب.. أسئلة الماضي التي تطارد الحاضر

السياسة - منذ 1 ساعة

عدن ، عين الجنوب خاص

منذ ستينيات القرن الماضي، ظلّت العلاقة بين الجنوب والسعودية محاطة بالكثير من الجدل والتوترات السياسية التي تركت بصماتها العميقة على مسار الأحداث في المنطقة. وبينما تحاول بعض الأطراف تقديم هذه العلاقة باعتبارها شراكة استراتيجية فرضتها الظروف والمتغيرات الإقليمية، يرى قطاع واسع من الجنوبيين أن التاريخ يحمل رواية مختلفة، عنوانها الصراع ومحاولات الهيمنة والتدخل في الشأن الجنوبي.
ففي الذاكرة السياسية الجنوبية، لا يُنظر إلى الخلاف مع الرياض على أنه خلاف عابر أو نتاج ظروف طارئة، بل باعتباره امتدادًا لمسار طويل من السياسات التي يُعتقد أنها استهدفت إضعاف الجنوب ومنعه من امتلاك قراره السياسي والاقتصادي المستقل. ومنذ انطلاق ثورة التحرير ضد الاستعمار البريطاني، تشكلت قناعة لدى كثير من النخب الجنوبية بأن السعودية لم تنظر بعين الرضا إلى أي مشروع وطني جنوبي قادر على فرض حضوره كقوة مستقلة في المنطقة.
وعقب الاستقلال، دخلت العلاقات بين الدولة الجنوبية والرياض في مرحلة من التوتر السياسي والأمني الحاد، حيث شهدت الحدود الجنوبية الشمالية للسعودية مواجهات وصراعات متقطعة عكست حجم الخلافات القائمة آنذاك. ولم تكن تلك الخلافات، بحسب الرواية الجنوبية، مجرد نزاعات حدودية، بل كانت تعبيرًا عن صراع أعمق يتعلق بالهوية السياسية ومستقبل المنطقة.
ويذهب منتقدو السياسة السعودية إلى أن الرياض اعتمدت على مدى عقود نهجًا قائمًا على إدارة الأزمات بدلًا من حلّها، وسعت إلى إبقاء الجنوب في دائرة التبعية والضعف الاقتصادي والسياسي. ويستشهد هؤلاء بتعثر العديد من المشاريع التنموية والاستثمارية، وباستمرار الأزمات الاقتصادية التي عانى منها الجنوب في مراحل مختلفة، معتبرين أن التدخلات الإقليمية لعبت دورًا في إعاقة فرص النهوض والاستقرار.
كما تتعرض السياسة السعودية لانتقادات واسعة بسبب دعمها المتكرر لقوى وشخصيات سياسية يعتبرها كثير من الجنوبيين جزءًا من منظومة الفشل والفساد التي أوصلت الأوضاع إلى ما هي عليه اليوم. فبدلًا من مساندة المشاريع التي تعبر عن الإرادة الشعبية الجنوبية، يرى هؤلاء أن الرياض فضّلت الرهان على قوى تقليدية فقدت حضورها وتأثيرها على الأرض.
وفي السنوات الأخيرة، تصاعدت حدة الانتقادات مع تفاقم الأزمات المعيشية والاقتصادية، وانهيار قيمة العملة، وارتفاع الأسعار، وتأخر صرف المرتبات. ويربط كثير من الجنوبيين بين هذه الأوضاع وبين ما يصفونه بفشل السياسات الإقليمية في إدارة الملف اليمني، والجنوبي على حد سواء  مؤكدين أن المواطن بات يدفع ثمن حسابات سياسية لم يكن طرفًا فيها.
ويؤكد أصحاب هذا الطرح أن المشكلة لا تكمن في الشعب السعودي أو في العلاقات بين الشعوب، بل في السياسات الرسمية التي يرون أنها تعاملت مع الجنوب من منظور الوصاية لا الشراكة، ومن منطلق المصالح الضيقة لا المصالح المشتركة. ولهذا فإن حالة الشك وعدم الثقة ما زالت حاضرة بقوة في الوعي السياسي الجنوبي، رغم التحولات الكبيرة التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الماضية.
ومع ذلك، فإن مستقبل العلاقة بين الجنوب والسعودية سيظل مرهونًا بقدرة الطرفين على تجاوز إرث الصراعات القديمة، وبناء علاقة تقوم على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة. غير أن هذا الهدف، بحسب كثير من الجنوبيين، لن يتحقق ما لم تُراجع السياسات التي يعتقدون أنها ساهمت في تعميق الأزمات وإطالة أمد الخلافات.
وهكذا يبقى الملف السعودي الجنوبي واحدًا من أكثر الملفات السياسية حساسية وتعقيدًا، حيث تتداخل فيه اعتبارات التاريخ والجغرافيا والمصالح الإقليمية، بينما تستمر الأسئلة حول دور الرياض وسياساتها في تشكيل واقع الجنوب ومستقبله، وهي أسئلة لا تزال حاضرة بقوة في النقاش السياسي حتى اليوم.

فيديو