عدن وحضرموت نبض الشارع الباحث عن وطن

تقارير - منذ 1 ساعة

 عين الجنوب|| خاص       

تشهد مدينتا عدن وحضرموت في الآونة الأخيرة حراكًا شعبيًا متصاعدًا يعكس حجم الاحتقان الذي تراكم في نفوس المواطنين جراء سنوات طويلة من الأزمات الاقتصادية والخدمية والمعيشية. ولم يعد ما يجري مجرد احتجاجات مطلبية مرتبطة بانقطاع الكهرباء أو تدهور العملة أو ارتفاع الأسعار، بل تحول إلى حالة شعبية واسعة تحمل رسائل سياسية واجتماعية عميقة عنوانها الأبرز: البحث عن وطن قادر على حماية مواطنيه وصون كرامتهم وتوفير الحد الأدنى من مقومات الحياة.
في عدن، المدينة التي كانت يومًا رمزًا للاستقرار والحياة المدنية، يعيش المواطنون واقعًا بالغ الصعوبة في ظل الانهيار المستمر للخدمات الأساسية. فالكهرباء أصبحت عبئًا يوميًا يرهق الأسر، والمياه والخدمات الصحية تعاني من اختلالات كبيرة، بينما تواصل العملة المحلية فقدان قيمتها بصورة متسارعة انعكست على أسعار السلع والمواد الأساسية. وبينما تتسع دائرة المعاناة، يشعر المواطن بأن الوعود الرسمية لم تعد قادرة على إقناعه أو تبديد مخاوفه بشأن المستقبل.
أما حضرموت، التي تمتلك من الموارد والإمكانات ما يؤهلها لتكون نموذجًا للاستقرار والتنمية، فقد أصبحت هي الأخرى ساحة لمطالب شعبية متزايدة تدعو إلى تحسين الأوضاع المعيشية وتمكين أبناء المحافظة من إدارة شؤونهم والاستفادة من ثرواتهم بما يحقق التنمية والاستقرار. ويعكس الحراك المتصاعد هناك شعورًا عامًا بأن الوقت قد حان لإيجاد حلول حقيقية بدلًا من الاكتفاء بإدارة الأزمات وترحيل المشكلات من مرحلة إلى أخرى.
اللافت في المشهد أن الشارع في عدن وحضرموت لم يعد يتحدث فقط عن أزمة خدمات أو أزمة اقتصاد، بل عن أزمة ثقة متفاقمة بين المواطن والسلطات القائمة. فكلما ازدادت المعاناة واتسعت الفجوة بين الواقع والوعود، تعاظمت القناعة بأن جذور المشكلة أعمق من مجرد اختلالات إدارية أو مالية، وأن المطلوب هو مشروع وطني شامل يعيد الاعتبار للإنسان ويضع مصالحه فوق أي حسابات أخرى.
لقد أثبتت التجارب أن الاستقرار لا يمكن أن يتحقق عبر الإجراءات الأمنية وحدها، كما أن القمع أو التضييق على الاحتجاجات لا يؤدي إلى معالجة أسباب الغضب الشعبي. فالمواطن الذي يخرج إلى الشارع لا يفعل ذلك بحثًا عن الفوضى، وإنما تعبيرًا عن شعوره بالاختناق ورغبته في إيصال صوته إلى من يملك القرار. وعندما تتجاهل السلطات هذه الرسائل أو تحاول التعامل معها بوصفها تهديدًا أمنيًا فقط، فإنها تخاطر بتوسيع فجوة الثقة وتعميق حالة الاحتقان.
وفي ظل المتغيرات السياسية التي تشهدها المنطقة، تبدو مطالب المواطنين في عدن وحضرموت جزءًا من حالة أوسع تتعلق بمستقبل الجنوب ودوره السياسي والاقتصادي. فالكثير من الأصوات باتت ترى أن معالجة الأزمات الراهنة لا يمكن أن تتم من خلال حلول مؤقتة أو معالجات جزئية، وإنما عبر رؤية واضحة تضمن المشاركة الفاعلة لأبناء المناطق في إدارة شؤونهم والاستفادة من مواردهم وتحقيق تطلعاتهم المشروعة.
إن الرسالة التي يبعث بها الشارع اليوم واضحة ومباشرة: الناس لا تبحث فقط عن تحسين خدمة أو صرف راتب أو خفض سعر سلعة، بل تبحث عن وطن يشعر فيه المواطن بالأمان والعدالة والكرامة. وطن تكون فيه المؤسسات في خدمة المجتمع، وتتحول فيه الثروات إلى مشاريع تنمية وفرص عمل وتحسين لمستوى المعيشة، لا إلى مصدر جديد للصراعات والأزمات.
عدن وحضرموت اليوم ليستا مجرد مدينتين تعانيان من أزمات متشابهة، بل تمثلان صوتًا شعبيًا متناميًا يطالب بالتغيير الحقيقي. صوتًا يقول إن الشعوب قد تصبر طويلًا على المعاناة، لكنها لا تتخلى عن حلمها في بناء مستقبل أفضل. وبين ضجيج الأزمات وتراكم التحديات، يظل مطلب الشارع ثابتًا وواضحًا: نريد وطنًا يليق بتضحيات أبنائه ويمنحهم الأمل في الغد، لا مجرد إدارة تدير الأزمات وتؤجل الحلول.

فيديو