مليونيات الجنوب.. رسالة شعب لا يقبل الوصاية ولا يساوم على إرادته

تقارير - منذ 4 ساعات

عين الجنوب|خاص                  


في كل مرة يحتشد فيها أبناء الجنوب في الساحات والميادين، تتجدد رسالة سياسية وشعبية واضحة مفادها أن إرادة الشعوب لا يمكن تجاوزها، وأن صوت الجماهير يظل أقوى من كل محاولات الالتفاف على تطلعاتها أو مصادرة قرارها الوطني. فالمليونيات التي شهدتها مختلف محافظات الجنوب خلال السنوات الماضية لم تكن مجرد فعاليات جماهيرية عابرة، بل تحولت إلى استفتاءات شعبية مفتوحة تعكس حجم التمسك بالقضية الجنوبية ورفض أي مشاريع أو ترتيبات تُفرض من خارج الإرادة الجنوبية.
لقد جاءت هذه الحشود الجماهيرية الضخمة في ظروف سياسية واقتصادية وأمنية معقدة، ورغم حجم المعاناة التي يعيشها المواطن الجنوبي جراء تدهور الخدمات وانهيار الأوضاع المعيشية، إلا أن الجماهير أثبتت أن قضيتها الوطنية لا تزال حاضرة في الوجدان الشعبي، وأن الأزمات لم تنجح في كسر الإرادة أو تغيير البوصلة التي يتجه نحوها الشارع الجنوبي.
ويرى كثير من المتابعين أن المليونيات الجنوبية حملت في طياتها رسائل متعددة، كان أبرزها التأكيد على رفض أي شكل من أشكال الوصاية أو التدخل في القرار السياسي الجنوبي، والتشديد على أن مستقبل الجنوب يجب أن يرسمه أبناؤه وحدهم عبر خياراتهم وإرادتهم الحرة بعيداً عن الضغوط والإملاءات الخارجية. كما عكست تلك الحشود حالة من التمسك بالهوية الوطنية الجنوبية ورفض العودة إلى المراحل التي يعتبرها الجنوبيون سبباً في أزماتهم ومعاناتهم الممتدة.
وفي الوقت الذي تشهد فيه المنطقة تحولات سياسية متسارعة وتفاهمات إقليمية متشابكة، يحرص الشارع الجنوبي على التأكيد بأن أي تسويات أو اتفاقات لا تأخذ بعين الاعتبار تطلعات أبناء الجنوب وحقوقهم السياسية لن تحقق الاستقرار المنشود، بل ستضيف مزيداً من التعقيدات إلى المشهد القائم. ولهذا السبب تحولت المليونيات إلى وسيلة شعبية للتعبير عن الموقف العام وإيصال الرسائل إلى مختلف الأطراف المحلية والإقليمية والدولية.
كما تؤكد هذه الحشود الجماهيرية أن الجنوب يمتلك وعياً سياسياً متنامياً تجاه التطورات الجارية، وأن المواطنين يتابعون عن كثب ما يجري من تحركات ومشاريع وتحالفات، ويحرصون على إعلان مواقفهم بصورة سلمية وحضارية من خلال التجمعات الجماهيرية الواسعة التي باتت سمة بارزة من سمات المشهد السياسي الجنوبي خلال السنوات الأخيرة.
ولعل ما يميز هذه المليونيات أنها لم تعد مجرد فعاليات مرتبطة بحدث أو مناسبة معينة، بل أصبحت تعبيراً متكرراً عن حالة شعبية راسخة تؤكد تمسك الجنوبيين بحقهم في تقرير مستقبلهم السياسي وفقاً لما يرونه مناسباً لقضيتهم وتطلعاتهم الوطنية. فكل حشد جماهيري جديد يمثل تجديداً للعهد بين الجماهير وقضيتها، ورسالة بأن القضية الجنوبية لا تزال حية وحاضرة رغم كل التحديات والضغوط.
ويؤكد مراقبون أن استمرار هذه الفعاليات الشعبية بهذا الزخم يعكس وجود قاعدة جماهيرية واسعة تعتبر أن الحفاظ على القرار الجنوبي المستقل يمثل أولوية أساسية، وأن أي محاولات لتجاوز الإرادة الشعبية أو فرض رؤى لا تحظى بقبول الشارع ستواجه برفض جماهيري واضح. كما أن هذه الحشود تمثل دليلاً على أن الشارع الجنوبي ما زال قادراً على تنظيم نفسه والتعبير عن مواقفه بصورة سلمية وحضارية أمام العالم.
وفي المحصلة، تبدو مليونيات الجنوب أكثر من مجرد تجمعات جماهيرية؛ فهي تعبير عن إرادة شعب يسعى إلى تثبيت حضوره السياسي والدفاع عن خياراته الوطنية، ورسالة متجددة بأن الشعوب هي صاحبة الكلمة الأخيرة في تقرير مصيرها ورسم مستقبلها. وبينما تستمر التحديات والتجاذبات السياسية، يبقى صوت الجماهير الجنوبية حاضراً في الميادين، مؤكداً أن إرادة الشعوب لا يمكن تجاهلها، وأن القضايا العادلة تستمد قوتها من التفاف الجماهير حولها وتمسكها بأهدافها مهما طال الزمن.

فيديو