الجنوب بين مطرقة الوصاية وسندان المشاريع السياسية.. هل يقترب موعد استعادة القرار الجنوبي

تقارير - منذ 7 ساعات

عين الجنوب || خاص                          
تتصاعد في المشهد الجنوبي خلال الفترة الأخيرة حالة من الجدل السياسي والشعبي حول مستقبل القضية الجنوبية، في ظل تعدد المشاريع والمواقف السياسية، وتزايد الحديث عن أدوار إقليمية تسعى إلى التأثير في مسار الأحداث وتحديد شكل التسوية السياسية القادمة. وفي قلب هذا المشهد يبرز سؤال جوهري يفرض نفسه بقوة: إلى أين يتجه الجنوب في ظل استمرار الضغوط السياسية ومحاولات إعادة صياغة المشهد الجنوبي من خارج إرادة الشارع؟
تحاول ما تُعرف بـ"جماعة المسار السعودي" تقديم مبررات لتحول مواقفها السياسية والنضالية، معتبرة أن هذا التحول يصب في مصلحة القضية الجنوبية ويخدم هدف استعادة دولة الجنوب المستقلة. غير أن هذه المبررات تواجه، بحسب الخطاب السياسي الجنوبي المؤيد للمجلس الانتقالي، رفضاً شعبياً واسعاً، إذ يرى أنصار هذا الاتجاه أن القضية الجنوبية لم تعد قابلة للمساومة أو إعادة التفسير وفقاً لتوازنات إقليمية متغيرة.
ويستند هذا الموقف إلى قناعة راسخة لدى قطاع واسع من الجنوبيين بأن المجلس الانتقالي الجنوبي يمثل الإطار السياسي الأبرز لقضيتهم، وأن عيدروس الزُبيدي يمثل القيادة السياسية التي جرى تفويضها شعبياً لتمثيل تطلعاتهم. ومن هذا المنطلق، ينظر هؤلاء إلى أي مسار سياسي يتجاوز إرادة الشارع الجنوبي باعتباره محاولة لإعادة إنتاج الوصاية على القرار الجنوبي، بصرف النظر عن العناوين والشعارات التي تُرفع لتسويقه.
وخلال الأشهر الماضية، شهدت محافظات جنوبية عدة فعاليات واحتجاجات جماهيرية كبيرة، حملت رسائل سياسية واضحة بشأن التمسك بالقضية الجنوبية ورفض أي ترتيبات سياسية لا تراعي تطلعات الجنوبيين. وقد أراد المشاركون، وفق الخطاب الذي رافق تلك الفعاليات، إيصال رسالة إلى الداخل والخارج مفادها أن القضية الجنوبية ما زالت حاضرة بقوة، وأن أي حل سياسي لا يتعامل معها باعتبارها قضية شعب يطالب بتقرير مصيره سيظل مفتقراً إلى القبول الشعبي.
وفي المقابل، يثير استمرار النفوذ السعودي في تفاصيل المشهد السياسي الجنوبي مخاوف لدى خصوم هذا المسار من أن ينتهي الأمر بفرض صيغة سياسية لا تلبي مطلب الاستقلال، وإنما تعيد الجنوب إلى إطار سياسي أوسع تحت عناوين اتحادية أو ترتيبات انتقالية جديدة. ويذهب هذا الخطاب إلى التحذير من أن مشروع "اليمن الاتحادي" قد يتحول إلى مخرج لإبقاء الجنوب ضمن دولة يمنية موحدة بصيغة مختلفة، بدلاً من الاستجابة للمطلب الجنوبي باستعادة دولة مستقلة.
وتزداد حساسية هذا الملف مع الحديث عن ما يسمى "الحوار الجنوبي-الجنوبي"، إذ يرى منتقدو المسار السعودي أن أي حوار من هذا النوع ينبغي أن يكون جنوبياً مستقلاً في قراره وأجندته، وألا يتحول إلى وسيلة لإعادة ترتيب البيت الجنوبي وفق تصورات خارجية. كما يطالبون بأن تكون المشاركة فيه قائمة على قاعدة واضحة تتمثل في احترام حق الجنوبيين في تحديد مستقبلهم السياسي دون إقصاء أو فرض وصاية.
ويرى أصحاب هذا الطرح أن الخطر لا يكمن في الحوار من حيث المبدأ، وإنما في طبيعة الجهة التي تحدد أجندته ومخرجاته والمرجعيات التي يستند إليها. فإذا كان الحوار مجرد وسيلة لإعادة إنتاج صيغة سياسية مفروضة مسبقاً، فإن نتائجه لن تكون تعبيراً حقيقياً عن إرادة الجنوبيين، بل ستتحول إلى غطاء سياسي لمشروع أوسع.
ولا يتوقف الجدل عند الجانب السياسي، بل يمتد إلى الملف العسكري، في ظل تصاعد الدعوات المتعلقة بمشاركة القوات المسلحة الجنوبية في مواجهات خارج حدود الجنوب. ويرفض التيار الرافض لهذا التوجه تحويل القوات الجنوبية إلى قوة استنزاف في معارك مفتوحة خارج أرضها، مؤكداً أن الأولوية يجب أن تكون لحماية الجنوب وأمنه واستقراره، وأن قرار الحرب والسلم ينبغي أن يخضع للمصلحة الجنوبية أولاً.
ويعكس هذا الموقف، بالنسبة لمؤيديه، خشية من استنزاف القدرات العسكرية الجنوبية في صراعات طويلة، بما يؤدي في النهاية إلى إضعاف القوة التي تشكل أحد أبرز عناصر القضية الجنوبية على الأرض. ولذلك فإن مسألة بقاء القوات الجنوبية داخل نطاق جغرافي يعتبره أنصارها مجالاً لحماية الجنوب أصبحت جزءاً من الجدل السياسي حول مستقبل القضية.
وفي خضم هذه التطورات، يسعى المجلس الانتقالي الجنوبي وقياداته إلى التأكيد على جملة من المواقف التي يعتبرها ثوابت سياسية، وفي مقدمتها التمسك بالقضية الجنوبية ورفض أي ترتيبات تنتقص من حق الجنوبيين في تقرير مستقبلهم، إلى جانب رفض تحويل الجنوب إلى ساحة لتنفيذ مشاريع سياسية لا تحظى بقبول شعبي.
ومن هنا تأتي أهمية الدعوات إلى الاحتشاد الجماهيري في عدن، ولا سيما الدعوة إلى توجيه الحشود نحو منطقة المعاشيق، باعتبارها رسالة سياسية مباشرة تعبر عن رفض السلطات القائمة في معاشيق". وتعبّر الدعوة عن رغبة أنصار الانتقالي في إيصال رسالة احتجاج على أداء السلطة ورفض ما يعتبرونه وصاية على القرار الجنوبي، والمطالبة باستعادة القرار السياسي والأمني والاقتصادي إلى المؤسسات والقوى الجنوبية.
لكن المشهد، رغم حدته، لا يمكن اختزاله في طرف واحد أو موقف واحد، فالقضية الجنوبية أصبحت جزءاً أساسياً من أي تسوية سياسية شاملة في اليمن. وأي محاولة لتجاوزها أو التعامل معها باعتبارها ملفاً هامشياً قد تعيد إنتاج الأزمات بدلاً من إنهائها. كما أن استمرار الانقسام داخل الصف الجنوبي يمنح القوى الإقليمية والدولية مساحة أكبر للتأثير في اتجاهات المشهد وصياغة التسويات.
ولهذا فإن المعركة السياسية الحقيقية، وفق الرؤية التي يتبناها أنصار استقلال الجنوب، لا تتمثل فقط في مواجهة خصم سياسي بعينه، وإنما في الحفاظ على استقلالية القرار الجنوبي ومنع تحويل القضية إلى ورقة تفاوضية بيد أي طرف إقليمي أو دولي. فكلما كان القرار الجنوبي موحداً ومستقلاً، ازدادت قدرة الجنوبيين على فرض قضيتهم على طاولة أي مفاوضات مقبلة.
ويبقى السؤال الأكثر إلحاحاً: هل تستطيع القوى الجنوبية تجاوز خلافاتها الداخلية وبناء موقف موحد يحمي قرارها السياسي، أم أن تعدد المسارات سيقود إلى إضعاف القضية وإدخالها في تسويات لا تحقق تطلعات الشارع؟
وفي نهاية المطاف، فإن مستقبل الجنوب لن تحدده البيانات السياسية وحدها، ولا التحركات الإقليمية وحدها، وإنما ستحدده قدرة القوى الجنوبية على تنظيم صفوفها، وتوحيد خطابها، وتحويل الحضور الشعبي إلى مشروع سياسي واضح يحظى بالقبول والتمثيل الحقيقي. وبين مشروع يصر أنصاره على أنه طريق نحو استعادة دولة الجنوب، ومشاريع أخرى تدفع باتجاه إبقاء الجنوب ضمن ترتيبات يمنية اتحادية أو انتقالية، تبدو المعركة السياسية مفتوحة على احتمالات متعددة.
وبينما يستمر الجدل حول الوصاية والتسويات والحوار والمشاركة العسكرية، يبقى الشارع الجنوبي هو الطرف الذي يملك، في نهاية المطاف، القدرة على منح الشرعية الشعبية لأي مسار سياسي. ومن هنا فإن الرسالة الأهم التي تتكرر في الخطاب الجنوبي المؤيد للاستقلال هي أن أي حل مستقبلي لن يكون قابلاً للحياة ما لم يأخذ تطلعات الجنوبيين ومطالبهم السياسية بعين الاعتبار، وأن محاولة فرض مستقبل الجنوب من خارج إرادته قد تؤدي، بدلاً من إنهاء الأزمة، إلى فتح فصل جديد من الصراع السياسي.

فيديو