سقوط الجبهات أم لعبة النفوذ؟ تعز والحديدة في مرمى الحوثي.. ومؤامرة جديدة تُرسم على حساب الجنوب

تقارير - منذ 7 ساعات

عين الجنوب||خاص                  

تتسارع التطورات العسكرية في اليمن بصورة تثير الكثير من علامات الاستفهام، خصوصًا مع تصاعد المواجهات في تعز والساحل الغربي، بالتزامن مع هجمات حوثية بالصواريخ والطائرات المسيّرة استهدفت مناطق في تعز والحديدة. وبحسب ما نشر يوم امس تحدثت مصادر عسكرية عن استهداف مناطق على الساحل الغربي بـ14 صاروخًا باليستيًا بالتزامن مع هجمات بالطائرات المسيّرة، فيما أكدت مصادر عسكرية استمرار المعارك في عدد من جبهات تعز. 
لكن الأخطر من صوت المدافع هو السؤال السياسي الذي يفرض نفسه: هل ما يجري مجرد تصعيد عسكري عابر، أم أن تحريك جبهات الشمال والساحل يأتي ضمن إعادة ترتيب واسعة لخريطة النفوذ في اليمن، بما قد تكون تداعياته الأكبر على الجنوب؟
 السياسية التي يثيرها المشهد لا يمكن تجاهلها. فالجنوب ينظر إلى أي إعادة ترتيب عسكري في الشمال والساحل باعتبارها قضية تمس مستقبله مباشرة، لأن استمرار الحرب في مناطق معينة، وتجميدها في مناطق أخرى، وتحريك القوات والموارد وفق حسابات متغيرة، يمكن أن يعيد إنتاج المعادلة نفسها التي عاشها اليمن خلال سنوات طويلة: جبهات مشتعلة تستنزف القوى، ومناطق أخرى تُترك خارج المعركة، بينما يبقى الجنوب مطالبًا بدفع ثمن صراعات لم يصنعها.
تعز ليست مجرد محافظة في خارطة الحرب، والحديدة ليست مجرد ساحل. فتعز تمثل موقعًا جغرافيًا وعسكريًا بالغ الأهمية، بينما تطل الحديدة على البحر الأحمر وتقترب من واحد من أهم الممرات البحرية في العالم. ومن هنا فإن أي تغيير في ميزان القوى على هذه الجبهات ستكون له انعكاسات تتجاوز حدود المحافظتين.
وفي الأيام الأخيرة، شهدت تعز تصعيدًا ميدانيًا واضحًا، فيما تحدثت تقارير عن استمرار الاشتباكات في عدد من المحاور الغربية، بينما تعرض الساحل الغربي لهجمات صاروخية حوثية. إضافة السقوط مواقع في تعز كما أشارت تقارير إلى أن التصعيد العسكري أدى إلى موجة نزوح جديدة، حيث سجلت منظمة الهجرة الدولية نزوح أكثر من 1600 شخص من محافظة تعز خلال أسبوع واحد نتيجة التدهور الأمني.
وهنا يظهر السؤال الجنوبي الكبير: إذا كانت الجبهات الشمالية والغربية تُفتح وتُغلق وفق حسابات القوى المتصارعة، فمن يضمن ألا يتحول الجنوب إلى ساحة التعويض السياسي والعسكري عن أي إخفاقات في تلك الجبهات؟
لقد أثبتت السنوات الماضية أن المعادلة اليمنية ليست عسكرية فقط، بل هي شبكة معقدة من المصالح والنفوذ والموارد والممرات البحرية. وكلما تغيرت خطوط التماس، بدأت القوى المختلفة في إعادة حساباتها. ولذلك فإن الجنوب، بحسب أنصاره، لا يستطيع أن يكون مجرد متفرج على ما يحدث، ولا أن يقبل بأن تتحول قضيته إلى ورقة تستخدم عند الحاجة ثم تُهمل عندما تتغير الأولويات.
المشكلة الحقيقية ليست فقط في موقع عسكري قد يسقط أو جبهة قد تتراجع، وإنما في غياب استراتيجية واضحة تضع حدًا لحالة الفوضى العسكرية والسياسية. فالجبهة التي لا تملك قرارها، ولا تمتلك إمدادًا مستقرًا، ولا تخضع لرؤية وطنية واضحة، تبقى معرضة للانهيار مهما امتلكت من المقاتلين والسلاح.
ومن منظور جنوبي، فإن أخطر سيناريو هو أن تتحول التطورات في تعز والحديدة إلى مقدمة لإعادة توزيع الأدوار، بحيث يُطلب من القوات الجنوبية تحمل أعباء جديدة في الوقت الذي تستمر فيه أزمات الخدمات والمرتبات والموارد، بينما تبقى الملفات السياسية الكبرى معلقة.
إن الجنوب لا يخشى مواجهة الحوثيين، فقد أثبتت القوات الجنوبية في أكثر من محطة قدرتها على خوض المعارك والدفاع عن مناطقها، لكن ما يرفضه الجنوبيون هو أن تُستخدم المواجهة مع الحوثيين غطاءً لإعادة إنتاج صراعات الماضي أو فرض ترتيبات سياسية لا تعكس إرادة أبناء الجنوب.
ولهذا فإن الرسالة الأهم من أحداث تعز والحديدة ليست الدعوة إلى التراجع أو الاستسلام، وإنما ضرورة اليقظة السياسية والعسكرية. فالمرحلة المقبلة قد تكون مرحلة إعادة رسم للأوراق، وكل طرف سيحاول تثبيت أكبر قدر ممكن من النفوذ قبل أي تسوية سياسية قادمة.
ومن الخطأ أن يُنظر إلى الجنوب باعتباره طرفًا هامشيًا في هذه المعادلة. فموقعه الجغرافي، وسواحله الممتدة، وموانئه وثرواته، وموقع عدن الاستراتيجي، تجعل القضية الجنوبية جزءًا أساسيًا من أي ترتيبات مستقبلية لليمن والمنطقة.
وبينما تتصاعد المعارك في تعز والساحل الغربي، يبقى المطلوب من الجنوبيين قراءة المشهد بعين سياسية مفتوحة، وعدم الانجرار وراء كل رواية تتحدث عن سقوط جبهة أو انتصار آخر قبل التحقق منها. فالحروب لا تُحسم بالشائعات، والسياسة لا تُبنى على الانفعالات، والمصالح الكبرى لا تنتظر من يتأخر في قراءة المتغيرات.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث ليس سقوط موقع هنا أو هناك، وإنما أن يستيقظ الجميع بعد انتهاء المعارك ليكتشفوا أن خارطة النفوذ قد تغيرت، وأن الجنوب أصبح مرة أخرى أمام واقع سياسي جديد فُرض عليه دون أن يكون طرفًا حقيقيًا في صياغته.
ولهذا فإن ما يجري في تعز والحديدة يجب أن يكون جرس إنذار لا مناسبة للهلع؛ فالجنوب بحاجة إلى توحيد رؤيته، وتعزيز مؤسساته، وحماية قراره السياسي والعسكري، والتعامل مع التطورات من موقع الفاعل لا المتلقي، لأن المرحلة المقبلة قد تحمل تغييرات كبيرة في شكل الصراع ومسارات التسوية.
وفي النهاية، قد تتغير خطوط النار، وقد تتبدل مواقع السيطرة، وقد تعود المفاوضات إلى الواجهة، لكن القضية الأهم ستظل: **هل سيكون الجنوب صاحب قرار في رسم مستقبل المنطقة، أم ستُرسم خرائط جديدة فوق طاولة الآخرين ثم يُطلب منه دفع ثمنها؟**

فيديو