حرب استنزاف الجنوب.. حين تُستدعى القوات الجنوبية إلى معارك الآخرين ثم يُطلب منها دفع الثمن!

تقارير - منذ 1 ساعة

عين الجنوب خاص                    

لم تعد محاولات استنزاف القوى الجنوبية مجرد تحركات عسكرية عابرة أو ترتيبات ميدانية منفصلة عن المشهد السياسي، بل باتت تُقرأ لدى قطاعات واسعة من الجنوبيين باعتبارها جزءًا من معركة أكبر تتداخل فيها الحسابات العسكرية والسياسية، ويُراد من خلالها إبقاء الجنوب في حالة استنزاف دائم، وإشغاله عن قضيته وأرضه وأمنه ومستقبله السياسي.
فالقوة التي أثبتت حضورها في مواجهة التنظيمات المسلحة والتهديدات التي استهدفت عدن ومحافظات الجنوب، والتي دفعت أثمانًا كبيرة من دماء أبنائها، لا يمكن التعامل معها باعتبارها مجرد قوة احتياطية تُستدعى كلما اشتدت الأزمات في مناطق أخرى، ثم تُترك وحدها أمام تبعات المعارك وتداعياتها.
وهنا تبرز الأسئلة التي يصعب تجاوزها: لماذا يُطلب من القوات الجنوبية باستمرار التحرك بعيدًا عن أرضها؟ ومن المستفيد من نقلها من مواقعها الأصلية إلى جبهات مفتوحة ومعقدة؟ وهل المطلوب بالفعل مواجهة الخطر، أم إطالة أمد الحرب واستنزاف القوى التي تشكل اليوم أحد أبرز عناصر التوازن العسكري في الجنوب؟
الجنوبيون ليسوا ضد مواجهة أي تهديد يطال أمن المنطقة، وليسوا بعيدين عن مسؤولياتهم الوطنية والعربية، لكنهم في الوقت ذاته أصبحوا أكثر وعيًا بأن حماية الجنوب ومقدراته وأمنه ليست قضية ثانوية يمكن تأجيلها إلى أجل غير مسمى. فمن حق أي شعب أن يسأل عن الأولويات، وأن يعرف أين تُرسل قواته، ولماذا، وتحت أي قيادة، وما هي الأهداف السياسية والعسكرية النهائية لكل معركة.
لقد علّمت السنوات الماضية الجنوبيين أن الحروب لا تُقاس فقط بعدد المعارك التي يخوضها المقاتلون، وإنما بما تتركه من نتائج سياسية وأمنية على الأرض. وقد تكون أخطر الحروب تلك التي لا تبدو في ظاهرها موجهة ضد طرف بعينه، لكنها تؤدي في النهاية إلى إنهاك قوته، وتفريغ مواقعه، واستنزاف موارده البشرية والعسكرية، وإبقائه في حالة دفاع مستمر دون أن يحصل على مقابل سياسي واضح.
ومن هنا فإن الحديث عن "حرب استنزاف" لا يعني بالضرورة اتهام طرف محدد أو الجزم بوجود مخطط معلن، لكنه يعكس مخاوف سياسية وعسكرية مشروعة ينبغي مناقشتها بجدية. فحين تتكرر الدعوات إلى دفع القوات الجنوبية نحو جبهات بعيدة، بينما تبقى الملفات الأمنية والسياسية في الجنوب دون حلول حقيقية، يصبح من الطبيعي أن يتساءل الناس عن طبيعة هذه المعادلة ومآلاتها.
القوات الجنوبية ليست رقمًا في معادلة عسكرية، وليست كتلة بشرية يمكن تحريكها من جبهة إلى أخرى بلا حساب. خلف كل مقاتل أسرة، وخلف كل شهيد قصة وطن، وخلف كل جريح ثمن دفعه أبناء الجنوب من أجل الأمن والاستقرار. ولذلك فإن أي قرار يتعلق بتحريك هذه القوات يجب أن يكون قائمًا على رؤية واضحة، وضمانات حقيقية، وأهداف معلنة، لا على ردود أفعال مؤقتة أو ضغوط سياسية.
والأهم من ذلك أن الجنوبيين باتوا يدركون أن قوة الجنوب لا تكمن في إرسال أبنائه إلى كل معركة، وإنما في الحفاظ على تماسك مؤسساته وقواته وأمنه الداخلي، وبناء قدرة عسكرية وأمنية قادرة على حماية الأرض والمجتمع والمصالح الحيوية.
إن استنزاف القوة الجنوبية، إن حدث، لن يكون مجرد خسارة عسكرية، بل قد يتحول إلى فراغ أمني وسياسي تستفيد منه أطراف متعددة. فالجنوب الذي يواجه تحديات الإرهاب والتهريب والجريمة والاضطرابات السياسية والاقتصادية يحتاج إلى قواته لحماية مدنه وحدوده وممراته وموانئه ومؤسساته، وليس من الحكمة إضعاف هذه المنظومة دون حساب دقيق للعواقب.
ولهذا فإن الوعي الشعبي أصبح يمثل خط الدفاع الأول أمام أي محاولة لتقديم الاستنزاف باعتباره بطولة، أو تصوير نقل القوات الجنوبية إلى معارك بعيدة باعتباره قدرًا لا يمكن رفضه. البطولة ليست في خوض كل حرب، وإنما في معرفة الحرب التي تستحق أن تُخاض، والهدف الذي يستحق التضحية، والجهة التي تتحمل مسؤولية القرار والنتائج.
الجنوبي الذي قاتل دفاعًا عن عدن وأرضه عندما كانت مهددة، لا يحتاج إلى دروس في الوطنية. والجنوبي الذي ترك عمله وأسرته ليحمل السلاح دفاعًا عن مجتمعه يعرف جيدًا معنى التضحية. ولذلك فإن المطالبة بأن تكون الأولوية لحماية الأرض الجنوبية لا تعني الانعزال عن محيطها، بل تعني تنظيم المشاركة في أي مواجهة وفق مصالح واضحة وضمانات تمنع تحويل أبناء الجنوب إلى وقود لحروب لا يملكون قرارها.
وفي المقابل، فإن القوى السياسية والعسكرية الجنوبية مطالبة بأن تكون أكثر وضوحًا أمام جمهورها، وأن تشرح للناس طبيعة أي تحركات عسكرية وأهدافها وحدودها، لأن الغموض في القضايا المصيرية يفتح الباب أمام الشائعات والتأويلات، ويجعل المواطن عرضة للتضليل الإعلامي من مختلف الأطراف.
لقد تغير وعي الشارع الجنوبي كثيرًا. فلم يعد المواطن يتعامل مع الخطابات السياسية كما كان يفعل في الماضي، بل أصبح يربط بين الأحداث، ويراقب مسارات القوات، ويقارن بين ما يُقال وما يحدث على الأرض. وأصبح من الصعب إقناع الناس بأن كل تحرك عسكري هو بالضرورة انتصار، أو أن كل دعوة لإرسال القوات إلى جبهة جديدة تعني خدمة الجنوب.
إن الجنوب بحاجة إلى قوة عسكرية متماسكة، وإلى قرار سياسي مستقل، وإلى مؤسسات أمنية قادرة على حماية المواطنين، وإلى رؤية استراتيجية تحدد متى وأين وكيف تخوض قواته أي مواجهة خارج حدود مناطقها. أما سياسة الاستنزاف المفتوح، فهي في النهاية تستهلك الإنسان والسلاح والموارد، وتترك خلفها أسئلة أكبر من الشعارات التي رافقتها.
ومن الخطأ الاعتقاد أن أبناء الجنوب يمكن أن يكونوا خارج معادلة الوعي السياسي. فقد أثبتت التجارب أن الشعوب التي دفعت أثمانًا باهظة في الحروب تصبح أكثر حساسية تجاه أي مشروع يعيد إنتاج الصراع بصورة جديدة. ولهذا فإن أي محاولة لاستنزاف القوة الجنوبية تحت عناوين مختلفة لن تمر بسهولة أمام مجتمع أصبح أكثر إدراكًا لمخاطر المرحلة.
المطلوب اليوم ليس إشعال المزيد من الجبهات، بل تحديد الأولويات. المطلوب حماية الجنوب أولًا، وتحصين أمنه، والحفاظ على قواته، ومعالجة قضاياه السياسية، ومنع تحويل مقاتليه إلى أدوات في صراعات لا تنتهي. وعندما تكون هناك ضرورة حقيقية للمشاركة في مواجهة تهديد إقليمي أو وطني، فيجب أن تكون المشاركة مبنية على قرار واضح وشراكة حقيقية وهدف محدد، لا على أوامر مؤقتة وحسابات مجهولة.
فالجنوب لا يرفض مواجهة الخطر، لكنه يرفض أن يتحول أبناؤه إلى وقود دائم للحرب. ولا يرفض التعاون مع محيطه، لكنه يرفض أن يكون التعاون طريقًا إلى إضعافه. ولا يخشى المعركة، لكنه يريد أن يعرف من أجل ماذا يقاتل، ومن يقرر، ومن يحمي مصالحه، وماذا سيحصل عليه بعد انتهاء المعركة.
وفي نهاية المطاف، فإن أقوى رسالة يمكن أن يوجهها الجنوب هي أن دماء أبنائه ليست ورقة للمساومة، وأن قوته العسكرية ليست ملكًا لأي مشروع عابر، وأن قرار الحرب والسلم يجب أن يرتبط بمصلحة شعبه وأمن أرضه ومستقبله.
إن حرب الاستنزاف، مهما تغيرت عناوينها أو تعددت مبرراتها، لن تنطلي على الجنوبيين بسهولة؛ لأن الوعي الذي ولدته سنوات الحرب والتضحيات أصبح أكثر صلابة من أن تهزّه الحملات الإعلامية أو الشعارات المؤقتة. فالجنوب الذي يعرف قيمة قوته لن يسمح بتحويلها إلى عبء على مستقبله، والجنوب الذي دفع ثمن حريته لن يقبل أن يدفع ثمن حروب الآخرين دون أن يكون له صوت في تحديد أهدافها ونتائجها.
وفي هذه المرحلة تحديدًا، تصبح حماية الإنسان الجنوبي وقوته العسكرية وأمن أرضه ليست مجرد أولوية سياسية، بل مسؤولية تاريخية. فالقوة التي تُبنى بسنوات من التضحيات يمكن أن تُستنزف في أشهر إذا غابت الرؤية، أما إذا اقترنت القوة بالوعي والقرار الواضح، فإنها تتحول إلى عنصر استقرار وحماية، لا إلى وقود لصراعات لا تنتهي.
ولهذا فإن الرسالة الأهم اليوم هي: لا تجعلوا الجنوب يخوض معارك بلا نهاية، ولا تسمحوا بأن تتحول تضحيات أبنائه إلى أرقام في حسابات الآخرين. فالمعركة الحقيقية ليست فقط في ميدان القتال، وإنما في الحفاظ على القرار، وصون القوة، وحماية الأرض، ومنع استنزاف المستقبل تحت أي عنوان.

فيديو