من الشمال إلى الجنوب.. لماذا تبدو الجبهات الشمالية خارج الحسابات السعودية بينما تتقدم الثروات الجنوبية إلى واجهة الاهتمام

تقارير - منذ 1 ساعة

عدن عين الجنوب خاص           

لم يعد السؤال المطروح في الشارع اليمني يتمحور فقط حول أسباب تعثر الحرب، أو لماذا بقيت جبهات الشمال تراوح مكانها لسنوات طويلة، بل أصبح السؤال الأكثر إلحاحًا: لماذا تبدو بعض الجبهات الشمالية وكأنها تُترك للسقوط أو التراجع، في الوقت الذي يتزايد فيه الاهتمام السعودي بالمحافظات الجنوبية، ولا سيما المناطق ذات الثقل النفطي والغازي والموقع الجغرافي الحيوي؟
هذا السؤال لا يمكن التعامل معه باعتباره مجرد انطباع سياسي، كما لا يمكن تحويله إلى حقيقة قاطعة من دون أدلة مباشرة على وجود قرار سعودي متعمد بتسليم جبهات أو السيطرة على موارد. لكنه، في المقابل، يستحق قراءة سياسية واقتصادية معمقة، خصوصًا في ظل التناقض بين استمرار جماعة الحوثي في الاحتفاظ بمناطق واسعة في الشمال، وبين تصاعد الاهتمام الإقليمي بالمناطق الجنوبية والشرقية التي تمتلك ثروات نفطية وغازية وموانئ ومنافذ بحرية واسعة.
المشهد اليمني خلال السنوات الأخيرة كشف بوضوح أن الحرب لم تعد مجرد معركة عسكرية بين طرفين، وإنما أصبحت شبكة معقدة من المصالح الأمنية والاقتصادية والجغرافية. فاليمن بالنسبة للقوى الإقليمية ليس مجرد خريطة سياسية؛ إنه موقع استراتيجي يطل على البحر الأحمر وخليج عدن وباب المندب، ويمتلك احتياطيات وحقولًا نفطية وغازية، إضافة إلى موانئ وممرات تجارية ومناطق واسعة يمكن أن تشكل مستقبل الدولة اليمنية اقتصاديًا وسياسيًا.
ومن هنا تبدو أهمية السؤال: إذا كانت الأولوية هي هزيمة الحوثيين عسكريًا، فلماذا لم نشهد حسمًا في الجبهات الشمالية التي يفترض أنها تمثل قلب الصراع، بينما تتحول حضرموت وشبوة والمهرة وغيرها إلى ساحات شديدة الحساسية في الحسابات الإقليمية؟
قد تكون الإجابة الأولى مرتبطة بتغير طبيعة الأولويات السعودية. فبعد سنوات من الحرب المفتوحة، أصبحت الرياض أكثر اهتمامًا بمنع تهديدات الحوثيين على حدودها ومنشآتها الحيوية وممراتها البحرية، بدل الدخول في حرب استنزاف طويلة بهدف إعادة رسم الخريطة العسكرية اليمنية بالكامل. وهذا يعني أن الحسابات السعودية قد تكون انتقلت تدريجيًا من مفهوم الحسم الشامل إلى مفهوم إدارة المخاطر وتأمين المصالح الاستراتيجية.
لكن المشكلة أن هذا التحول، إذا كان قائمًا، يطرح سؤالًا أكبر حول الجنوب.
فالمحافظات الجنوبية والشرقية ليست مجرد مناطق جغرافية عادية. حضرموت تمتلك أهمية نفطية وجغرافية استثنائية، وشبوة ترتبط بالنفط والغاز والموانئ، بينما تتمتع المهرة بموقع استراتيجي على الحدود مع سلطنة عُمان وبحر العرب. أما عدن، فتظل واحدة من أهم المدن والموانئ في المنطقة، بما يجعل السيطرة على المجال الجنوبي أو التأثير في قراراته السياسية والأمنية قضية تتجاوز اليمن إلى الحسابات الإقليمية والدولية.
ولهذا يرى مراقبون أن الاهتمام بالمحافظات الجنوبية لا يمكن فصله عن قيمتها الاقتصادية والاستراتيجية، حتى وإن كانت الرياض تبرر تحركاتها عادة باعتبارات الأمن والاستقرار ومواجهة التهديدات. فالثروات الطبيعية والموانئ والمواقع البحرية تجعل الجنوب جزءًا أساسيًا من أي تصور لمستقبل اليمن، سواء بقيت البلاد موحدة أو دخلت في ترتيبات سياسية جديدة.
واللافت أن سقوط أو تراجع بعض المواقع الشمالية لم يؤدِّ بالضرورة إلى تحرك إقليمي مماثل لاستعادتها، بينما يجري التعامل بحساسية أكبر مع أي تطورات عسكرية أو سياسية في مناطق الجنوب والشرق. وهذه المفارقة هي التي غذت لدى قطاعات واسعة من الجنوبيين اعتقادًا بأن هناك فرقًا في طريقة التعامل مع جغرافيا الشمال وجغرافيا الجنوب.
غير أن تفسير ذلك بأنه رغبة مباشرة في الاستحواذ على النفط وحده قد يكون تبسيطًا للمشهد. فهناك عامل آخر بالغ الأهمية، وهو الموقع الجغرافي. السيطرة على المناطق الجنوبية والشرقية أو التأثير فيها يمنح أي قوة إقليمية هامشًا واسعًا للتحرك في بحر العرب وخليج عدن، ويتيح مراقبة طرق التجارة والطاقة، كما يوفر عمقًا استراتيجيًا بعيدًا عن مناطق التماس المباشر مع الحوثيين.
وهنا يظهر التناقض الأبرز: الحوثيون يمتلكون نفوذًا واسعًا في شمال اليمن، لكنهم لا يمتلكون السيطرة الكاملة على الثروة النفطية الجنوبية ولا على أهم الموانئ الجنوبية. وبالتالي فإن إبقاء الصراع في الشمال ضمن مستوى معين من الاستنزاف قد يكون، من منظور بعض القوى الإقليمية، أقل كلفة من الدخول في حرب شاملة مفتوحة قد تعيد تشكيل اليمن بالكامل بصورة يصعب التحكم بنتائجها.
هذه ليست بالضرورة مؤامرة مكتملة الأركان، وإنما يمكن قراءتها باعتبارها منطقًا واقعيًا في العلاقات الدولية: الدول تتحرك وفق مصالحها الأمنية والاقتصادية، وليس وفق الشعارات التي ترفعها الأطراف المحلية.
لكن هذا المنطق يواجه مشكلة أساسية عندما يتعلق الأمر بالجنوب: ماذا عن إرادة سكان هذه المحافظات؟
فإذا كان الجنوب يمتلك الثروة والموقع والموانئ، فمن الطبيعي أن يصبح سؤال ملكية القرار السياسي والاقتصادي في تلك المناطق قضية مركزية. ولا يمكن أن يكون التعامل مع حضرموت أو شبوة أو المهرة قائمًا فقط على اعتبارها خزائن للنفط أو مناطق عازلة أو أوراقًا في صراع إقليمي. فالموارد الموجودة تحت الأرض لا تنفصل عن السكان الذين يعيشون فوقها، ولا يمكن تجاهل حق المجتمعات المحلية في المشاركة في إدارة ثرواتها وتحديد مستقبلها السياسي.
ومن هنا تبرز القضية الجنوبية باعتبارها عاملًا لا يمكن تجاوزه في أي تسوية مستقبلية. فإذا استمرت القوى الإقليمية في التعامل مع الجنوب بوصفه منطقة استراتيجية غنية بالثروات، من دون الاعتراف الكامل بالبعد السياسي للقضية الجنوبية، فإن ذلك سيؤدي إلى مزيد من الاحتقان، وقد يحول الموارد نفسها من عامل استقرار إلى وقود لصراع جديد.
كما أن استمرار الحرب في الشمال دون حل سياسي شامل يخلق واقعًا أكثر تعقيدًا. فكلما طال أمد بقاء الحوثيين في مناطقهم، أصبح من الصعب الحديث عن إعادة اليمن إلى الوضع الذي كان قائمًا قبل الحرب. وفي الوقت نفسه، فإن محاولة فرض ترتيبات سياسية على الجنوب من الخارج قد تصطدم برفض شعبي وسياسي متزايد.
وهنا يمكن فهم الحساسية الجنوبية تجاه أي تحركات إقليمية في حضرموت وشبوة والمهرة. فالجنوبيون لا ينظرون إلى هذه المناطق باعتبارها مجرد حقول نفط، وإنما باعتبارها جزءًا من وطنهم وثروتهم ومستقبل دولتهم. ولذلك فإن أي محاولة لإعادة توزيع النفوذ في الجنوب بعيدًا عن إرادة أبنائه قد تُفهم باعتبارها وصاية جديدة، مهما كانت الشعارات المستخدمة لتبريرها.
وفي المقابل، لا ينبغي تجاهل حقيقة أن السعودية تواجه تهديدًا حقيقيًا من الحوثيين، وأن أمن حدودها ومنشآتها النفطية وممراتها البحرية يمثل أولوية طبيعية لأي دولة. ولذلك قد ترى الرياض أن الدخول في معركة واسعة داخل الشمال ليس الخيار الأكثر فاعلية، خصوصًا بعد سنوات من التجربة العسكرية والسياسية المعقدة.
لكن السؤال الذي يبقى بلا إجابة هو: إذا كانت الحرب الشاملة لم تعد خيارًا سعوديًا، فما هو البديل؟
هل البديل هو تسوية مع الحوثيين تضمن أمن الحدود السعودية؟ وهل ستكون هذه التسوية على حساب القوى المناهضة للحوثيين؟ وهل ستشمل ترتيبات خاصة بالجنوب؟ ومن سيحمي ثروات حضرموت وشبوة؟ ومن سيحدد مستقبل الموانئ؟ ومن سيملك القرار الأمني والعسكري في المناطق الجنوبية؟
هذه الأسئلة هي التي تجعل مستقبل الجنوب أكثر أهمية من أي وقت مضى.
فالمعادلة الجديدة قد لا تكون ببساطة: شمال ضد جنوب، أو حكومة ضد حوثيين. وإنما أصبحت أقرب إلى صراع متعدد المستويات: الحوثيون يريدون تثبيت نفوذهم في الشمال، والقوى الجنوبية تريد تثبيت حقها في تقرير مستقبل الجنوب، والقوى الإقليمية تبحث عن ضمان أمنها ومصالحها، بينما تتنافس القوى المحلية على النفط والموانئ والنفوذ السياسي.
وفي هذه المعادلة، تصبح الجبهات الشمالية جزءًا من ملف أمني، بينما يتحول الجنوب إلى ملف استراتيجي واقتصادي وسياسي في آن واحد.
ومن هنا فإن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن تتحول المحافظات الجنوبية الغنية بالثروات إلى ساحة صراع بين القوى الإقليمية والمحلية، بينما يجري تجاهل إرادة أبنائها. فالنفط قد يجذب النفوذ، لكنه لا يصنع الشرعية، والموقع الجغرافي قد يمنح القوة، لكنه لا يمنح الحق في تقرير مصير الشعوب.
ولهذا فإن أي مشروع مستقبلي في اليمن لن يكون قابلًا للاستمرار إذا تجاهل الجنوب، كما أن أي ترتيبات تتعلق بالثروة والنفط والموانئ والحدود لن تكون مستقرة ما لم تكن قائمة على شراكة حقيقية مع أبناء المناطق المعنية.
ويبقى السؤال الأكثر إثارة للجدل: هل أصبح الشمال بالنسبة للسعودية ملفًا أمنيًا يمكن احتواؤه بالتفاوض، بينما أصبح الجنوب ملفًا استراتيجيًا لا يمكن تركه خارج دائرة النفوذ؟
قد لا تكون الإجابة معلنة بصورة صريحة، لكن مسار الأحداث يدفع إلى طرحها بقوة. وما لم تقدم الرياض والقوى اليمنية والإقليمية إجابات واضحة حول مستقبل الثروات والقرار السياسي في الجنوب، فإن الشكوك ستظل تتسع، وسيبقى الجنوبيون ينظرون إلى أي تحرك خارجي في محافظاتهم الغنية بالثروات بعين الريبة.
وفي النهاية، فإن المعركة الحقيقية القادمة قد لا تكون معركة السيطرة على مدينة أو جبهة، بل معركة من يملك قرار الثروة والجغرافيا والمستقبل. وهنا تحديدًا يصبح الجنوب، بثرواته وموانئه وموقعه الاستراتيجي، في قلب المعادلة اليمنية والإقليمية، وليس على هامشها.

فيديو