واشنطن تخنق شرايين طهران المالية.. حرب العقوبات تمتد إلى الذهب والبنوك وطرق تمويل حزب الله

تقارير - منذ 50 دقيقة

عدن عين الجنوب خاص          

تدخل المواجهة الأمريكية مع إيران مرحلة أكثر تعقيدًا، بعدما انتقلت واشنطن من استهداف المؤسسات والكيانات الإيرانية المعروفة إلى ملاحقة الشبكات المالية غير المباشرة التي يُعتقد أنها تشكل شرايين حيوية لتمويل حلفاء طهران في المنطقة. فالمعركة لم تعد تدور فقط حول العقوبات على النفط أو المصارف أو الشخصيات الإيرانية، بل أصبحت تستهدف الوسطاء والشركات التجارية ومكاتب الصرافة وتجار الذهب والقنوات النقدية التي تعمل في الظل بعيدًا عن النظام المصرفي التقليدي.
وتكشف التحركات الأمريكية الأخيرة عن محاولة لتجفيف منابع التمويل التي تعتمد عليها إيران في الحفاظ على نفوذها الإقليمي، خصوصًا عبر شبكات تمتد بين العراق وتركيا ولبنان، وتستخدم أدوات مالية وتجارية متعددة لنقل القيمة بعيدًا عن التحويلات المصرفية المباشرة التي يمكن تتبعها بسهولة.
وتكمن أهمية هذه الخطوة في أن واشنطن باتت تتعامل مع شبكة التمويل باعتبارها منظومة متكاملة، لا مجموعة منفصلة من الأسماء والشركات. فبدلًا من الاكتفاء باستهداف الجهة التي يُعتقد أنها المستفيد النهائي، تتجه العقوبات إلى الحلقة التي تسبقها: شركات التجارة، الوسطاء، الصرافين، تجار الذهب، والحسابات التي يمكن استخدامها لإجراء التسويات المالية خارج القنوات الرسمية.
وتشير المعطيات إلى أن بعض المسارات المالية تبدأ بأموال أو عائدات مرتبطة بالتجارة في العراق، ثم تنتقل إلى وسطاء وشركات في الخارج، قبل أن تتحول إلى ذهب أو تسويات تجارية أو عمليات نقدية، وصولًا إلى شبكات مالية في لبنان. وهذه الطريقة تمنح القائمين عليها قدرة أكبر على إخفاء مسار الأموال، وتقلل من الاعتماد على التحويلات البنكية المباشرة التي تخضع لمستويات مرتفعة من الرقابة.
وهنا تحديدًا تحاول واشنطن ضرب نقطة الضعف الأساسية في هذه المنظومة: الوسطاء.
فالوسيط المالي أو التجاري قد يكون أقل شهرة من المؤسسة التي تمولها الشبكة، لكنه في كثير من الأحيان يؤدي دورًا حاسمًا في استمرار تدفق الأموال. وإذا تمكنت العقوبات من تعطيل هذه الحلقة، فإن إعادة بناء المسار المالي تصبح أكثر صعوبة، خصوصًا عندما تتسع دائرة التدقيق لتشمل الشركات التي تتعامل بشكل متكرر مع الكيانات المستهدفة.
وفي العراق، تفرض التطورات الجديدة ضغوطًا إضافية على المصارف وشركات الصرافة والتجارة، خصوصًا تلك التي ترتبط بمعاملات خارجية أو تستخدم قنوات مالية يمكن أن تكون محل تدقيق أمريكي. ويتركز الاهتمام على حركة الأموال المتكررة، وعلى الشركات التي تدخل في تسويات تجارية خارجية، وعلى هوية المستفيد الحقيقي من هذه العمليات.
ولا تبدو المخاوف العراقية مرتبطة فقط بإدراج أسماء جديدة على قوائم العقوبات، وإنما باحتمال اتساع دائرة الإجراءات لتشمل مؤسسات مالية أو شركات محلية تقدم، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، خدمات إلى شبكات خاضعة للعقوبات.
وهذا السيناريو يمكن أن يضع المؤسسات العراقية أمام معادلة شديدة الحساسية؛ فمن جهة هناك النظام المالي المحلي وارتباطه بالتعاملات الدولية والدولار، ومن جهة أخرى توجد شبكات اقتصادية وأمنية وسياسية متداخلة يصعب أحيانًا الفصل بينها بصورة كاملة.
وتزداد أهمية هذا الملف مع التركيز الأمريكي على الجهات المرتبطة بكتائب حزب الله وغيرها من القوى الحليفة لإيران. فواشنطن لا تنظر إلى عمليات التمويل باعتبارها مجرد معاملات تجارية، بل باعتبارها جزءًا من منظومة أوسع تمكن طهران من المحافظة على أدوات نفوذها الإقليمي رغم العقوبات المفروضة عليها.
وفي هذا السياق، يأتي الذهب كأحد أبرز الأدوات التي تحظى باهتمام متزايد. فالذهب يمكن أن يؤدي دورًا مختلفًا عن الأموال الموجودة داخل النظام المصرفي؛ إذ يمكن تحويله ونقله وتسويقه عبر شبكات تجارية متعددة، بما يسمح بنقل القيمة دون المرور بالمسار البنكي التقليدي.
ولهذا السبب، فإن تدقيق النشاط التجاري لمكاتب الذهب والشركات التي تجمع بين التجارة والتحويل المالي قد يصبح أحد أهم مسارات المواجهة القادمة.
كما أن تركيا تمثل حلقة مهمة في هذه الشبكة بحكم موقعها الاقتصادي والجغرافي، ووجود مركز تجاري ومالي كبير في إسطنبول يمكن أن يوفر بيئة واسعة لحركة الشركات والسلع والمعاملات المالية الدولية. ولذلك فإن توسيع دائرة الرقابة لتشمل وسطاء وتجار ذهب وشركات تجارية في تركيا يعكس محاولة أمريكية لقطع الطريق أمام انتقال الأموال من مرحلة إلى أخرى.
أما لبنان، فيمثل الحلقة التي تكتسب حساسية خاصة بسبب وجود بنية واسعة من شركات الصرافة والتعاملات النقدية، إلى جانب ارتباط حزب الله بشبكات اقتصادية ومالية متعددة. ومن هنا يصبح استهداف شركات الصرافة والقنوات النقدية جزءًا من معركة أكبر تستهدف قدرة الحزب على الوصول إلى السيولة.
المفارقة أن العقوبات التقليدية يمكن الالتفاف عليها أحيانًا من خلال إنشاء شركة جديدة أو تغيير اسم جهة تجارية، لكن استهداف البنية الكاملة للشبكة يجعل عملية الاستبدال أكثر كلفة وتعقيدًا.
وهذا ما تراهن عليه واشنطن على ما يبدو: ليس منع إيران من استخدام كل وسيط ممكن، وهو أمر بالغ الصعوبة، وإنما جعل عملية إعادة بناء الشبكة بعد كل ضربة أكثر تعقيدًا، وتحويل كل شركة أو صراف أو تاجر ذهب إلى نقطة محتملة للمراقبة والمساءلة.
ويرى محللون أن قدرة إيران على التعامل مع الضغوط المالية لا تزال كبيرة، خصوصًا أنها راكمت خلال سنوات العقوبات خبرة واسعة في استخدام الوسطاء والشركات الواجهة والقنوات غير التقليدية. ولذلك فإن العقوبات وحدها لن تكون كافية بالضرورة لإيقاف هذه الشبكات بصورة نهائية.
لكن المشكلة التي تواجهها طهران تتمثل في ارتفاع تكلفة هذه العمليات كلما توسعت الرقابة الدولية.
فكلما زادت الجهات التي تخشى التعامل مع شبكات مرتبطة بإيران، ارتفعت مخاطر تحويل الأموال، وزادت الحاجة إلى وسطاء جدد، وارتفعت تكلفة نقل القيمة، وأصبح اكتشاف العلاقات المالية أكثر احتمالًا.
ومن هنا تتحول الحرب المالية إلى معركة استنزاف طويلة؛ واشنطن تضرب شبكة، وإيران تبحث عن مسار بديل، ثم تبدأ الولايات المتحدة في تعقب المسار الجديد، لتعود الحلقة من جديد.
وتأتي هذه التحركات ضمن حملة أمريكية أوسع تهدف إلى عزل الموارد المالية الإيرانية وتقليص قدرة طهران على استخدام عائداتها وشبكاتها التجارية لتمويل حلفائها في المنطقة. كما سبقتها إجراءات استهدفت قنوات نقل نقدي مرتبطة برحلات تجارية ومسارات مالية بين لبنان وتركيا وإيران.
واللافت أن التسلسل الزمني لهذه الإجراءات يعكس تحولًا في طبيعة السياسة الأمريكية: فالعقوبات لم تعد مجرد إعلان أسماء على قوائم سوداء، بل أصبحت محاولة لرسم خريطة كاملة لحركة الأموال، من مصدرها إلى الوسيط، ومن الوسيط إلى القناة التجارية، وصولًا إلى الجهة المستفيدة.
وإذا نجحت واشنطن في فرض هذا النوع من الرقابة، فإن التداعيات لن تقتصر على إيران وحدها، بل يمكن أن تمتد إلى الأسواق والمؤسسات المالية في الدول التي تتحرك داخلها هذه الشبكات.
العراق، وتركيا، ولبنان، تحديدًا، قد يجدون أنفسهم أمام ضغوط متزايدة لتشديد إجراءات الامتثال المالي والتدقيق في مصادر الأموال والمستفيدين الحقيقيين من الشركات والتحويلات.
وهنا تبرز معركة أخرى لا تقل أهمية عن العقوبات نفسها: معركة الدولار.
فقد يؤدي تقييد وصول الجهات المرتبطة بالشبكات المستهدفة إلى الدولار أو إلى النظام المالي الدولي إلى إضعاف قدرتها على إجراء معاملات خارجية، خصوصًا إذا تزامن ذلك مع إجراءات مصرفية أكثر تشددًا.
لكن نجاح هذه الاستراتيجية يبقى مرتبطًا بقدرة الولايات المتحدة على إقناع المصارف والشركات والحكومات بالتعاون السريع معها. فالعقوبات تصبح أكثر تأثيرًا عندما تتحول من قرار أمريكي إلى منظومة رقابة دولية واسعة.
وفي المقابل، ستسعى إيران وحلفاؤها على الأرجح إلى تنويع الأدوات والطرق، والانتقال من القنوات التي أصبحت مكشوفة إلى قنوات جديدة أقل وضوحًا، وهو ما يعني أن المواجهة المالية لن تكون ضربة واحدة حاسمة، وإنما سلسلة متواصلة من الضربات والالتفافات.
المشهد بذلك يكشف عن طبيعة مختلفة للصراع في الشرق الأوسط. فالمواجهة لم تعد محصورة في الصواريخ والطائرات والجبهات العسكرية، بل أصبحت تدور أيضًا في مكاتب الصرافة، وحسابات الشركات، وأسواق الذهب، ومسارات التجارة، وشبكات التحويل.
إنها حرب على القدرة على تمويل النفوذ.
فكلما نجحت واشنطن في تعطيل قناة مالية، تقلصت قدرة الجهات المستفيدة منها على الحركة، وكلما تمكنت طهران من إيجاد قناة بديلة، أعادت بناء جزء من قدرتها على تمويل حلفائها.
ولهذا فإن السؤال الأهم خلال المرحلة المقبلة لن يكون فقط: من ستضعه واشنطن على قائمة العقوبات؟ بل: إلى أي مدى تستطيع الولايات المتحدة تفكيك الشبكة التي تقف خلف الأسماء؟
فإذا تحولت العقوبات من استهداف أفراد وشركات إلى تفكيك حقيقي للروابط بين النفط والتجارة والصرافة والذهب والنقد، فإن الضغط على إيران وحلفائها سيكون أكبر بكثير من مجرد تجميد أصول أو حظر معاملات.
أما إذا تمكنت طهران من إعادة تشكيل شبكاتها بسرعة، واستبدال الوسطاء بآخرين، فإن الحرب المالية ستدخل مرحلة جديدة من لعبة القط والفأر.
وفي كل الأحوال، تبدو واشنطن مصممة على نقل المعركة إلى منطقة تعتبرها إيران شريانًا أساسيًا لبقاء نفوذها: المال. وعندما تصبح كل حوالة وكل شركة وكل صفقة ذهب وكل حساب تجاري موضع اشتباه وتدقيق، فإن كلفة الحفاظ على شبكة النفوذ الإقليمي ترتفع، وربما يصبح تمويل الحلفاء نفسه معركة يومية لا تقل أهمية عن المعارك التي تخوضها القوى المدعومة من طهران على الأرض.

فيديو