من الجبهات إلى البحر الأحمر.. هل مهدت سياسات الإخوان الطريق أمام التمدد الحوثي في البحر الأحمر

تقارير - منذ 3 ساعات

عين الجنوب ||خاص                  
في خضم التصعيد المتسارع في البحر الأحمر، لم يعد السؤال مقتصرًا على كيفية تمكن الحوثيين من توسيع حضورهم العسكري والوصول إلى واحدة من أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم، بل بات السؤال الأكثر إلحاحًا: هل ساهمت أخطاء القوى المناهضة للحوثيين، وفي مقدمتها القوى المحسوبة على جماعة الإخوان المسلمين، بصورة مباشرة أو غير مباشرة في تهيئة الظروف التي سمحت للحوثيين بالتمدد والوصول إلى هذا المستوى من النفوذ؟
هذا السؤال يفرض نفسه بقوة كلما اتسعت دائرة المخاطر حول باب المندب والساحل الغربي، خصوصًا مع انتقال التهديد من الداخل اليمني إلى المجال البحري والإقليمي، وتحول البحر الأحمر إلى ساحة مواجهة مفتوحة ذات تداعيات تتجاوز حدود اليمن.
ويرى منتقدون لسياسات جماعة الإخوان المسلمين في اليمن أن المشكلة لم تكن في وجود خصومة سياسية مع الحوثيين، وإنما في طبيعة إدارة الصراع خلال السنوات الماضية، وما رافقها من حسابات حزبية ومناطقية وسياسية جعلت مواجهة الحوثيين في كثير من المراحل تأتي في مرتبة متأخرة أمام صراعات أخرى.
وبحسب هذه القراءة، فإن الحوثيين لم يصلوا إلى البحر الأحمر فجأة، ولم يبدأ نفوذهم من الساحل، بل سبق ذلك مسار طويل من إضعاف الخصوم، وتفكيك الجبهات، واستنزاف القوى المناهضة لهم، وخلق حالة من الانقسام داخل المعسكر المقابل.
وهنا تبرز قضية الجبهات الشمالية باعتبارها واحدة من أهم الأسئلة التي تحتاج إلى مراجعة. فبينما كان الحوثيون يعززون مواقعهم ويعيدون تنظيم قدراتهم العسكرية، ظلت القوى المناهضة لهم تعاني من انقسامات سياسية وعسكرية عميقة، الأمر الذي منح الجماعة المسلحة مساحة أكبر لإعادة بناء نفوذها والتحرك تدريجيًا نحو المناطق الساحلية.
ولا يعني ذلك بالضرورة أن جماعة الإخوان كانت تعمل بصورة مباشرة لصالح الحوثيين، فهذه نتيجة تحتاج إلى أدلة موثقة ومستقلة، لكن منتقديها يتحدثون عن ما يسمونه "تخادمًا موضوعيًا"، أي أن سياسات متعارضة في ظاهرها قد تنتهي عمليًا إلى خدمة هدف واحد، عندما يؤدي إضعاف خصم مشترك إلى تعزيز الطرف الآخر.
ومن أبرز ما يستند إليه هذا الطرح أن الصراع اليمني لم يعد مجرد مواجهة بين مشروعين عسكريين، بل تحول إلى شبكة معقدة من الصراعات الحزبية والمناطقية والمصالح المتضاربة. وفي هذه البيئة، استطاع الحوثيون الاستفادة من حالة الانقسام، بينما بقيت القوى الأخرى منشغلة في صراعات جانبية تستنزف طاقتها ومواردها.
ويطرح منتقدو الإخوان سؤالًا أكثر صعوبة: ماذا لو جرى توجيه القدرات العسكرية والسياسية طوال السنوات الماضية نحو تحصين الساحل الغربي وباب المندب ومنع الحوثيين من تثبيت نفوذهم على امتداد البحر الأحمر؟
فباب المندب ليس مجرد ممر بحري عادي، بل يمثل نقطة استراتيجية شديدة الحساسية تربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي، وأي طرف يمتلك قدرة على تهديده يستطيع التأثير في حركة التجارة والطاقة والملاحة الدولية.
ومن هنا، فإن وصول الحوثيين إلى مرحلة امتلاك القدرة على تهديد السفن والملاحة في البحر الأحمر يمثل، وفق هذه القراءة، نتيجة لمسار طويل من التحولات العسكرية والسياسية، وليس مجرد تطور منفصل عن بقية أحداث الحرب.
ويرى منتقدون أن أحد أخطر الأخطاء تمثل في التعامل مع القوى الجنوبية باعتبارها منافسًا سياسيًا ينبغي احتواؤه أو إضعافه، بدل النظر إليها كقوة عسكرية وسياسية يمكن أن تكون جزءًا أساسيًا من منظومة مواجهة الحوثيين.
فالقوى الجنوبية، بحسب هذا الطرح، كانت تمتلك حضورًا عسكريًا وجغرافيًا مهمًا في مناطق استراتيجية، وكان يمكن توظيف هذا الحضور ضمن استراتيجية أوسع لحماية الساحل وتأمين الممرات البحرية، بدل إبقاء الصراع الداخلي بين القوى المناهضة للحوثي مفتوحًا.
وفي المقابل، استفاد الحوثيون من هذا التناقض؛ فكلما انشغلت القوى المناهضة لهم بصراعاتها الداخلية، اتسعت مساحة الحركة أمام الجماعة الحوثية.
وهنا يظهر مفهوم "التخادم" الذي يستخدمه خصوم جماعة الإخوان لوصف هذه الحالة، وليس بالضرورة بمعنى وجود تحالف معلن بين الطرفين، وإنما بمعنى أن بعض السياسات والنتائج الميدانية انتهت إلى إضعاف خصوم الحوثيين في الوقت الذي كان فيه الحوثيون يعززون مواقعهم.
والأخطر من ذلك أن استمرار هذه المعادلة قد يحول البحر الأحمر من ورقة ضغط بيد القوى الإقليمية والدولية إلى ساحة نفوذ طويلة الأمد للحوثيين، بما يفرض على اليمن والمنطقة واقعًا أمنيًا جديدًا.
إن التهديد الحوثي للبحر الأحمر لا يمكن فصله عن مسألة السيطرة على الساحل الغربي. فالجغرافيا هنا تفرض نفسها بقوة؛ ومن يملك حضورًا عسكريًا قرب الساحل يمتلك قدرة أكبر على تهديد خطوط الملاحة، بينما يؤدي غياب التنسيق بين القوى المناهضة للحوثيين إلى منح الطرف المسيطر فرصة لتعزيز قدراته وتوسيع نطاق تهديده.
ولهذا فإن المرحلة الحالية تستدعي مراجعة شاملة للسياسات التي اتبعتها مختلف القوى اليمنية خلال السنوات الماضية، وفي مقدمتها القوى التي كانت تمتلك نفوذًا سياسيًا وعسكريًا داخل المعسكر المناهض للحوثيين.
فالمشكلة لم تعد مرتبطة بمن ربح جولة سياسية هنا أو خسر معركة هناك، بل أصبحت مرتبطة بأمن البحر الأحمر وباب المندب ومستقبل اليمن والمنطقة بأكملها.
وإذا كانت الاتهامات الموجهة إلى جماعة الإخوان بشأن "التخادم مع الحوثيين" تحتاج إلى أدلة مباشرة لإثبات وجود تنسيق متعمد، فإن ذلك لا يمنع من طرح السؤال السياسي المشروع حول نتائج سياساتها ومآلاتها: هل أدت تلك السياسات إلى إضعاف الحوثيين فعلًا، أم أنها ساهمت، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في توفير بيئة أكثر ملاءمة لتمددهم؟
هذا هو السؤال الذي ينبغي أن يخضع للنقاش بعيدًا عن الشعارات الحزبية.
فالسياسة تُقاس في النهاية بالنتائج، والنتيجة التي لا يمكن تجاهلها أن الحوثيين تمكنوا من الانتقال من قوة مسلحة محلية إلى طرف قادر على التأثير في أمن البحر الأحمر وتهديد الملاحة الدولية، في وقت كانت فيه القوى المناهضة لهم غارقة في خلافات سياسية وعسكرية متواصلة.
ومن هنا، فإن أي استراتيجية جديدة لمواجهة الحوثيين لن تكون قادرة على تحقيق نتائج حقيقية إذا بقيت أسيرة الحسابات الحزبية، أو إذا استمرت القوى المناهضة للحوثيين في النظر إلى بعضها باعتبارها الخطر الأكبر.
إن حماية باب المندب والبحر الأحمر تبدأ أولًا بإعادة ترتيب الأولويات، وتوحيد القوى القادرة على مواجهة الحوثيين، ووقف استنزاف الجبهات المناهضة لهم، والاستفادة من القوى الموجودة على الأرض بدل إقصائها أو تحويلها إلى خصوم.
فالخطر الحوثي لم يعد محصورًا في صنعاء أو صعدة أو الحديدة؛ لقد أصبح خطرًا يمتد إلى البحر الأحمر والممرات الدولية. وإذا كانت السنوات الماضية قد كشفت كلفة الانقسام، فإن المرحلة المقبلة ستكشف ما إذا كانت القوى المناهضة للحوثيين قادرة على التعلم من أخطائها، أم أنها ستواصل الصراع فيما بينها بينما يواصل الحوثيون توسيع نفوذهم على حساب الجميع.
وفي نهاية المطاف، فإن السؤال الأهم ليس فقط: كيف وصل الحوثيون إلى البحر الأحمر؟ بل أيضًا: من الذي أضعف الطريق أمام مواجهتهم، ومن الذي دفع ثمن تلك السياسات، ومن المستفيد الحقيقي من استمرار انقسام القوى المناهضة لهم؟
أسئلة مفتوحة، لكنها باتت أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى

فيديو