هل يُراد لعدن أن تصبح ساحة للفوضى بعد حضرموت؟.. العاصمة الجنوبية أمام اختبار خطير

تقارير - منذ 3 ساعات

عين الجنوب خاص                     

تتزايد المخاوف في الشارع الجنوبي من أن تتحول العاصمة عدن إلى ساحة جديدة للصراع والفوضى، في ظل حالة التوتر السياسي والأمني التي تشهدها الساحة الجنوبية، وما رافقها خلال الفترة الماضية من أحداث وتدخلات وصراعات على النفوذ والقرار. ويطرح كثير من أبناء عدن والجنوب سؤالاً بالغ الحساسية: هل تتجه الأمور نحو تكرار سيناريوهات الفوضى التي شهدتها حضرموت، ولكن هذه المرة في قلب العاصمة الجنوبية؟
هذا السؤال لم يعد مجرد هاجس عابر، بل بات حاضراً في النقاشات السياسية والشعبية، خصوصاً مع اتساع حالة الاستقطاب وتعدد المشاريع المتنافسة على الأرض، في وقت تحتاج فيه عدن إلى الاستقرار أكثر من أي وقت مضى، باعتبارها العاصمة السياسية والإدارية للجنوب ومركزاً حيوياً يحتضن ملايين السكان ومؤسسات الدولة والقوى السياسية والعسكرية والأمنية.
ويرى مراقبون أن أخطر ما يمكن أن تواجهه عدن هو الدخول في دوامة من الفوضى الأمنية والسياسية التي تبدأ بخلافات محدودة، ثم تتحول تدريجياً إلى صراع مفتوح على النفوذ، بما ينعكس مباشرة على حياة المواطنين والخدمات والاقتصاد والأمن والاستقرار الاجتماعي.
وتستحضر الأذهان في هذا السياق ما شهدته حضرموت من توترات وصدامات وتجاذبات سياسية وعسكرية، والتي كشفت، وفق قراءات سياسية جنوبية، حجم المخاطر التي يمكن أن تنتج عن إدارة الملفات الحساسة بمنطق الصراع على النفوذ بدلاً من منطق التوافق وحماية الاستقرار.
عدن ليست حضرموت، لكنها أيضاً ليست بمنأى عن تداعيات ما يجري حولها. فالعاصمة تمتلك أهمية سياسية وجغرافية واستراتيجية تجعلها هدفاً طبيعياً لأي طرف يسعى إلى فرض أجندته أو إعادة ترتيب موازين القوى في الجنوب. ولذلك فإن أي محاولة لدفع عدن نحو الفوضى ستكون، في نظر كثير من الجنوبيين، محاولة لضرب مركز الثقل السياسي والاجتماعي للجنوب.
وتكمن الخطورة الأكبر في أن الفوضى لا تحتاج دائماً إلى قرار معلن. فقد تبدأ بإشعال حالة من الاحتقان، أو تضخيم الخلافات، أو استخدام الشائعات، أو افتعال أزمات خدمية ومعيشية، أو الدفع باتجاه صدامات بين القوى الموجودة على الأرض، ثم تتوسع الدائرة تدريجياً حتى يصبح من الصعب السيطرة عليها.
ولهذا فإن أبناء عدن، وفق أصوات مجتمعية وسياسية متزايدة، لا يريدون لعاصمتهم أن تتحول إلى ساحة لتصفية الحسابات بين القوى المتصارعة، ولا أن يدفع المواطن البسيط ثمن الخلافات السياسية والعسكرية التي لا علاقة له بها.
فالاستقرار في عدن ليس قضية تخص طرفاً سياسياً بعينه، وإنما يمثل مصلحة عامة لكل سكان المدينة والجنوب. وأي انهيار أمني أو سياسي في العاصمة سينعكس بصورة مباشرة على الاقتصاد والخدمات وحركة الناس والتجارة والاستثمار، كما سيمنح خصوم الجنوب فرصة لاستثمار حالة الفوضى وتقديمها باعتبارها دليلاً على فشل الجنوبيين في إدارة مناطقهم.
ومن هنا تبرز مسؤولية القوى الجنوبية بمختلف توجهاتها في منع الانزلاق إلى مربع الصدام الداخلي. فالاختلاف السياسي يمكن إدارته بالحوار، والتنافس يمكن تنظيمه عبر المؤسسات، أما تحويل الشوارع إلى ساحات مواجهة فلن يخدم سوى القوى التي تنتظر لحظة الانقسام لضرب الجميع ببعضهم البعض.
ويرى محللون أن حماية عدن تتطلب أولاً تحييد المدينة عن صراعات النفوذ، وتثبيت الأمن، واحترام مؤسسات الدولة، ومنع أي خطوات من شأنها إشعال التوتر بين المكونات الجنوبية. كما تتطلب معالجة الأزمات الخدمية والمعيشية التي تشكل بيئة خصبة للاحتقان الشعبي.
وفي المقابل، فإن أي محاولة لاستنساخ سيناريوهات الصراع التي شهدتها مناطق جنوبية أخرى داخل عدن قد تكون أكثر خطورة، لأن العاصمة تختلف من حيث الكثافة السكانية والأهمية السياسية والإعلامية والاقتصادية. وما يحدث في عدن لا يبقى محلياً، بل سرعان ما يتحول إلى قضية سياسية واسعة تتجاوز حدود المدينة.
ولهذا فإن الرسالة التي يوجهها الشارع الجنوبي تبدو واضحة: عدن ليست ساحة مفتوحة لتجارب الفوضى، وليست ورقة يمكن استخدامها في صراعات النفوذ، وليست مكاناً مناسباً لتصفية الحسابات السياسية.
إن حماية عدن اليوم تعني حماية الجنوب من سيناريو بالغ الخطورة. فالعاصمة التي عانت سنوات طويلة من الحرب والانهيار الخدمي والاضطرابات تستحق أن تكون مركزاً للاستقرار، لا ساحة جديدة للمواجهة.
وبينما تراقب الأوساط الجنوبية التطورات المتسارعة، يبقى السؤال الأكثر إلحاحاً: هل تتجه الأطراف الفاعلة نحو احتواء الخلافات والحفاظ على أمن عدن، أم أن المدينة ستُدفع تدريجياً إلى مسار يشبه ما شهدته حضرموت من توترات وصراع على النفوذ؟
الإجابة لن تحدد مستقبل عدن وحدها، بل قد تحدد شكل المرحلة الجنوبية المقبلة بأكملها. فإما أن تكون العاصمة نقطة انطلاق نحو الاستقرار وترتيب البيت الجنوبي، أو تتحول إلى ساحة صراع تستنزف الجميع وتفتح الباب أمام مشاريع أخرى تنتظر لحظة الانقسام.
وفي النهاية، فإن عدن تحتاج اليوم إلى العقل السياسي أكثر من أي وقت مضى؛ لأن خسارة الاستقرار فيها لن تكون خسارة لمدينة فقط، وإنما ضربة مباشرة للنسيج الجنوبي بأكمله. ولذلك فإن منع الفوضى، وتجنيب المواطنين الصدام، وحماية العاصمة من صراعات النفوذ، يجب أن يكون أولوية تتقدم على كل الحسابات والمشاريع السياسية.

فيديو