زايد الخير والعطاء.. ذكرى قائدٍ صنع من صحراء الامارات دولةً تنافس العالم وخلدت اسمه في سجل التاريخ

تقارير - منذ 1 ساعة

عين الجنوب ||خاص:
في ذكرى رحيل الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، مؤسس دولة الإمارات العربية المتحدة وباني نهضتها الحديثة، تستحضر الشعوب العربية والخليجية سيرة رجل استثنائي استطاع أن يحوّل تحديات الصحراء إلى فرص للنهوض، وأن يصنع من الإرادة والحكمة والعمل مشروعاً وطنياً تجاوز حدود الجغرافيا، ليضع الإمارات في مصاف الدول التي تحظى بمكانة مرموقة على المستويين الإقليمي والدولي.
إنها ذكرى رجل لم يكن مجرد حاكم لدولة ناشئة، بل كان صاحب رؤية بعيدة المدى، وقائداً أدرك مبكراً أن بناء الأوطان لا يتحقق بالثروة وحدها، وإنما بالعقول والإنسان والتعليم والاستقرار، وأن التنمية الحقيقية تبدأ من الإنسان وتنتهي إليه. ولذلك بقي اسم الشيخ زايد حاضراً في وجدان الإماراتيين والعرب، بوصفه رمزاً للوحدة والعطاء والحكمة والإنجاز.
لم تكن رحلة الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، رحمه الله، نحو بناء الدولة الحديثة طريقاً مفروشاً بالسهولة، بل كانت مسيرة حافلة بالتحديات والتحولات الكبرى التي شهدتها المنطقة خلال القرن العشرين. فقد تولى حكم إمارة أبوظبي عام 1966، في مرحلة كانت فيها المنطقة تواجه تحديات سياسية واقتصادية واجتماعية جسيمة، لكنه استطاع أن يضع أسس مرحلة جديدة من العمل والبناء، مستنداً إلى إيمان راسخ بقدرة الإنسان على صناعة المستقبل مهما كانت الظروف.
ومنذ اللحظات الأولى لتوليه الحكم، اتجهت رؤيته نحو تطوير الإمارة وتحسين مستوى حياة المواطنين، عبر إنشاء المدارس والمستشفيات والطرق والمساكن الحديثة، وتوفير الخدمات الأساسية التي تمثل الركيزة الأولى لأي نهضة حقيقية. ولم تكن تلك المشاريع مجرد منشآت عمرانية، بل كانت تعبيراً عن فلسفة حكم تقوم على أن الثروة يجب أن تتحول إلى فرص تنموية، وأن الإنسان هو المستفيد الأول والأخير من موارد وطنه.
وقد أدرك الشيخ زايد أن بناء إمارة قوية لا يمكن أن يكتمل بمعزل عن محيطها، وأن المستقبل الأكثر أمناً واستقراراً يتطلب توحيد الصفوف وجمع الكلمة وتجاوز الخلافات. ومن هنا انطلقت رؤيته الوحدوية التي أسهمت في تأسيس دولة الإمارات العربية المتحدة، بالتعاون مع الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم وبقية حكام الإمارات، لتولد في الثاني من ديسمبر عام 1971 دولة اتحادية أصبحت نموذجاً بارزاً في المنطقة. 
لقد كان الاتحاد بالنسبة إلى الشيخ زايد أكثر من مجرد اتفاق سياسي أو صيغة إدارية لتجميع إمارات متفرقة؛ كان مشروعاً تاريخياً لبناء المستقبل، وإيماناً بأن القوة الحقيقية تكمن في التلاحم والتعاون وتوحيد الإمكانات. ومن خلال هذه الرؤية، استطاع أن يرسخ دعائم دولة حديثة، تجمع بين الأصالة العربية والانفتاح على العالم، وبين المحافظة على الهوية الوطنية ومواكبة التطورات العلمية والاقتصادية.
وفي الوقت الذي كانت فيه دول كثيرة تواجه صعوبات في الانتقال من واقع اقتصادي محدود إلى مرحلة التنمية الحديثة، كانت الإمارات تمضي بخطوات متسارعة نحو بناء مؤسسات الدولة وتطوير بنيتها التحتية، وتوسيع خدمات التعليم والصحة والإسكان، وتأسيس مقومات الاقتصاد الحديث. لقد كان الشيخ زايد يؤمن بأن التنمية ليست مشروعاً مؤقتاً، بل مسؤولية مستمرة تتطلب التخطيط والعمل والصبر، وأن نجاح الدولة يقاس بما توفره لمواطنيها من حياة كريمة وفرص عادلة ومستقبل آمن.
ولم يكن اهتمامه بالتنمية مقتصراً على العمران والاقتصاد، بل امتد إلى الإنسان باعتباره جوهر المشروع الوطني. فقد أولى التعليم اهتماماً كبيراً، إيماناً منه بأن الأجيال المتعلمة هي القادرة على حماية مكتسبات الدولة ومواصلة مسيرة التقدم. كما حرص على توفير الرعاية الصحية والخدمات الاجتماعية، وفتح أبواب المشاركة أمام أبناء الوطن في مسيرة البناء، لتصبح التنمية مسؤولية مشتركة بين القيادة والمجتمع.
وفي ذاكرة الإماراتيين، ارتبط اسم زايد بالخير والعطاء، ليس فقط لما قدمه داخل بلاده، وإنما لما امتدت إليه أياديه من مساعدات ومبادرات إنسانية في مختلف أنحاء العالم. فقد جعل العمل الإنساني جزءاً أصيلاً من فلسفة الدولة، ورسخ مفهوم التضامن مع الشعوب التي تواجه الأزمات والكوارث والفقر والمرض، انطلاقاً من قناعة بأن الكرامة الإنسانية لا تعرف حدوداً جغرافية أو سياسية.
لقد كان زايد يرى أن قوة الدولة لا تقاس بما تمتلكه من ثروات أو قدرات اقتصادية فحسب، بل بما تقدمه من خير للآخرين، وبمدى إسهامها في تعزيز الاستقرار والتعاون والسلام. ولذلك ارتبطت سيرته في الذاكرة العربية بمواقف إنسانية ومبادرات تنموية تركت آثاراً ملموسة في حياة الكثير من المجتمعات، وأسهمت في تعزيز صورة الإمارات باعتبارها دولة تحمل رسالة إنسانية إلى العالم.
ولعل أبرز ما يميز تجربة الشيخ زايد هو قدرته على الجمع بين الحكمة السياسية والرؤية التنموية، وبين الحزم في حماية المصالح الوطنية والمرونة في التعامل مع المتغيرات الإقليمية والدولية. فقد عُرف بإيمانه بالحوار والتفاهم، وبسعيه إلى معالجة الخلافات بعيداً عن التصعيد، وبحرصه على إقامة علاقات تقوم على الاحترام المتبادل والتعاون والمصالح المشتركة.
وفي محيط إقليمي ظل لعقود طويلة مسرحاً للتوترات والصراعات والتحولات السياسية، كانت الإمارات بقيادته تسعى إلى ترسيخ نموذج يقوم على الاستقرار والتنمية والانفتاح، مع الحفاظ على استقلال القرار الوطني ومكانة الدولة. وقد أسهمت هذه السياسة في تعزيز حضور الإمارات عربياً ودولياً، وفتحت أمامها آفاقاً واسعة للتعاون الاقتصادي والسياسي والإنساني.
إن استحضار ذكرى رحيل الشيخ زايد لا يعني الوقوف عند صفحات الماضي أو الاكتفاء باستعادة الإنجازات التي تحققت في عهده، بل يعني أيضاً قراءة الدروس التي تركها للأجيال القادمة، وفي مقدمتها أن بناء الدول يحتاج إلى قيادة تؤمن بالإنسان، وإلى مؤسسات قادرة على تحويل الرؤية إلى واقع، وإلى مجتمع يضع المصلحة الوطنية فوق الحسابات الضيقة.
لقد أثبتت التجربة الإماراتية أن الإرادة السياسية حين تقترن بالتخطيط والعمل والإيمان بالقدرات الوطنية تستطيع أن تصنع تحولات تاريخية كبرى. فالدولة التي انطلقت من بيئة صحراوية وتحديات اقتصادية واجتماعية معقدة، استطاعت خلال عقود أن تبني بنية تحتية متقدمة، وتطور مؤسساتها، وتحقق حضوراً مؤثراً في مجالات الاقتصاد والتكنولوجيا والطاقة والتعليم والعمل الإنساني.
ولم يكن هذا التحول وليد المصادفة، بل ثمرة رؤية تأسيسية وضع الشيخ زايد أسسها، واستمرت الدولة في تطويرها عبر الأجيال المتعاقبة. وهو ما يجعل إرثه حاضراً في تفاصيل الحياة الإماراتية، وفي مؤسساتها ومشروعاتها التنموية، وفي توجهاتها نحو المستقبل.
وفي هذه الذكرى، تتجدد مشاعر الوفاء والتقدير لرجل ارتبط اسمه بقيام دولة، وصناعة نهضة، وترسيخ قيم العطاء والتسامح والتعاون. رجل لم يجعل من السلطة غاية، بل وسيلة لخدمة وطنه وشعبه، ولم ينظر إلى الثروة باعتبارها امتيازاً، بل مسؤولية ينبغي أن تتحول إلى تنمية ورفاه واستقرار.
إن الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، رحمه الله، سيظل واحداً من أبرز القادة الذين تركوا بصمة عميقة في التاريخ العربي الحديث، ليس فقط لأنه أسس دولة الإمارات العربية المتحدة، وإنما لأنه قدم نموذجاً في القيادة التي تجمع بين الرؤية والإنجاز، وبين الحكمة والعمل، وبين الاعتزاز بالهوية والانفتاح على العالم.
وبينما تتواصل مسيرة الإمارات نحو آفاق جديدة من التطور والابتكار، يبقى إرث زايد حاضراً بوصفه مرجعاً للقيم التي قامت عليها الدولة، ومصدراً للإلهام في مواصلة البناء وتعزيز التنمية وخدمة الإنسان. وقد أكدت القيادة الإماراتية مراراً أن رؤية المؤسس وقيمه ستظل جزءاً من هوية الوطن ومسيرته المستقبلية
زايد الخير والعطاء.. رجل صنع من رمال الصحراء دولةً يشار إليها بالبنان، ومن حلم الاتحاد واقعاً يفاخر به العالم، ومن قيم الإنسانية إرثاً لا تغيب شمسه برحيل صاحبه.

فيديو