إعلام الحوثي بين الفبركات الإعلامية والانتصارات الوهمية.. وقائع الميدان تكشف زيف الروايات الدعائية

تقارير - منذ 1 ساعة

عين الجنوب|| خاص:
في مشهد تتصاعد فيه المواجهات العسكرية وتتداخل فيه الحسابات السياسية والعسكرية، يبرز الإعلام الحوثي بوصفه إحدى الأدوات الرئيسية في معركة الرواية والتأثير على الرأي العام، عبر خطاب دعائي مكثف يسعى إلى تصوير التطورات الميدانية بصورة تتجاوز أحياناً ما تعكسه الوقائع الفعلية على الأرض. وبين الأخبار المتلاحقة والتصريحات المتضخمة والحديث المتكرر عن انتصارات حاسمة، تتسع الفجوة بين ما تروّجه المنابر الإعلامية التابعة للحوثيين وما يمكن التحقق منه في ميادين المواجهة.
ففي الوقت الذي تتجه فيه بعض التغطيات الحوثية إلى تضخيم نتائج العمليات العسكرية، وتقديم التحركات المحدودة باعتبارها إنجازات استراتيجية كبرى، تظل الوقائع الميدانية هي المعيار الحقيقي لتقييم مسار المعارك ونتائجها. إذ لا يمكن لأي خطاب إعلامي، مهما بلغت كثافته أو تكررت رسائله، أن يغيّر حقيقة ما يجري على الأرض، أو أن يحوّل الادعاءات إلى انتصارات ملموسة بمجرد نشرها وتداولها.
وتبدو هذه السياسة الإعلامية، في نظر منتقديها، جزءاً من استراتيجية أوسع تهدف إلى رفع معنويات المقاتلين والأنصار، وإظهار الجماعة بمظهر القوة المتقدمة التي تمتلك زمام المبادرة، حتى في ظل تعقيدات ميدانية وتحديات عسكرية وسياسية متزايدة. فالإعلام الحربي لا يكتفي في كثير من الأحيان بنقل الأحداث، بل يسعى إلى صياغة صورة ذهنية محددة لدى الجمهور، من خلال انتقاء المعلومات وتضخيم بعض التفاصيل وتجاهل جوانب أخرى قد لا تخدم الرواية المراد تسويقها.
وتتجلى خطورة هذا النهج عندما تتحول الدعاية إلى بديل عن الحقيقة، ويصبح الحديث عن الانتصارات الوهمية وسيلة للتغطية على الإخفاقات أو تجاوز الأسئلة المتعلقة بحجم الخسائر والنتائج الفعلية للعمليات العسكرية. فالمبالغة في تصوير الإنجازات لا تمنح أصحابها تفوقاً حقيقياً، بل قد تفضي إلى اتساع الفجوة بين الخطاب الإعلامي والواقع، وتضع مصداقية المنابر التي تروّج لهذه الروايات أمام اختبار صعب.
وفي المقابل، تفرض ميادين المواجهة معادلاتها الخاصة، حيث تتحدد النتائج وفق عوامل عسكرية واستراتيجية لا تخضع لرغبات الإعلام أو حساباته الدعائية. فالمواقع التي يتم الحفاظ عليها، والقدرة على الصمود، وحماية الأرض، وتراجع القوات أو تقدمها، كلها مؤشرات لا يمكن استبدالها بتصريحات إعلامية أو مقاطع مصورة أو بيانات تحمل عناوين مثيرة. كما أن تقييم أي عملية عسكرية يظل مرتبطاً بمعلومات موثوقة ومتعددة المصادر، بعيداً عن الانحياز أو التسرع في تبني رواية طرف دون آخر.
ومن هنا، فإن التعامل مع الخطاب الحوثي يتطلب قدراً كبيراً من الوعي الإعلامي، والتمييز بين الخبر الموثق والادعاء الدعائي، خصوصاً في ظل الحروب التي تترافق عادة مع حملات تضليل وتنافس محموم على كسب الرأي العام. فالمتلقي الواعي لا يكتفي بما تقوله المنابر، بل يبحث عن الأدلة، ويقارن الروايات، ويتساءل عن مدى اتساق التصريحات مع التطورات الميدانية المعلنة.
وتبقى الحقيقة الأبرز أن الانتصارات لا تُصنع في غرف الأخبار، ولا تتحقق عبر الشعارات والبيانات المتكررة، وإنما تُقاس بنتائجها الفعلية على الأرض. وإذا كان الإعلام الحوثي يسعى إلى ترسيخ صورة انتصارات متواصلة، فإن الميدان يظل الفيصل الذي يكشف مدى دقة تلك الروايات، ويضع الادعاءات أمام اختبار الوقائع.
إن معركة الوعي لا تقل أهمية عن معركة السلاح، لكن كسبها لا يكون بتضخيم الأخبار أو صناعة الانتصارات الوهمية، بل بالصدق والشفافية والقدرة على تقديم رواية تستند إلى أدلة قابلة للتحقق. وفي نهاية المطاف، قد تنجح الدعاية في التأثير مؤقتاً على الجمهور، لكنها لا تستطيع أن تمنح الهزيمة ثوب النصر، ولا أن تجعل الادعاء حقيقة مهما تكرر بثه عبر الشاشات والمنابر.

فيديو