لا تفاوض بلا ضغط.. واشنطن تواصل ضرباتها لتطويق إيران

تقارير - منذ 51 دقيقة

عين الجنوب|| متابعات:
صعّدت الولايات المتحدة ضغطها العسكري على إيران، بشن ضربات محدودة استهدفت جزيرة قشم الاستراتيجية في مضيق هرمز، في خطوة تعكس تمسك إدارة الرئيس دونالد ترامب بخيار القوة لفرض قيود على التحركات الإيرانية، بالتوازي مع استمرار المساعي الدبلوماسية للتوصل إلى تسوية تنهي المواجهة المستمرة منذ أشهر.

وجاءت الضربات، التي نُفذت الاثنين عشية انتخابات التجديد النصفي الأميركية، لتكشف حدود الرهان الإيراني على المسار التفاوضي، وتؤكد أن واشنطن لا تتعامل مع المحادثات باعتبارها بديلاً عن الضغط العسكري، بل أداة موازية له لإجبار طهران على التعامل مع مطالبها بشأن أمن الملاحة في مضيق هرمز والتهديدات التي تستهدف القوات والمصالح الأميركية.

ونقلت وسائل إعلام أميركية عن مسؤولين في الإدارة أن القوات الأميركية نفذت ضربات محدودة على جزيرة قشم، رداً على استخدام القوات الإيرانية صواريخ أرض-جو ضد أصول أميركية، ووصفت العملية بأنها إجراء دفاعي لا يمثل استئنافاً للعمليات القتالية الرئيسية. وأفادت وسائل إعلام إيرانية بسماع انفجارات في الجزيرة، دون إعلان أميركي رسمي عن حجم الأضرار والخسائر الناجمة عن الهجوم.

وتحمل الضربة دلالات تتجاوز طبيعة الأهداف العسكرية المستهدفة، بالنظر إلى الموقع الجغرافي لجزيرة قشم عند المدخل الشمالي لمضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية لتجارة النفط والطاقة عالمياً. فاختيار هذه المنطقة يضع التهديدات الإيرانية للملاحة البحرية والقوات الأميركية في صلب الحسابات العسكرية لواشنطن، ويوجه رسالة بأن طهران لن تتمكن من استخدام المضيق ورقة ضغط دون مواجهة رد عسكري.

وتكشف العملية أيضاً أن وصف واشنطن للضربات بأنها محدودة ودفاعية لا يعني التخلي عن استخدام القوة، وإنما يعكس توجهاً لإدارة التصعيد ضمن مستويات محسوبة، تسمح للإدارة الأميركية بتوجيه ضربات انتقائية دون الانزلاق الفوري إلى حرب واسعة، مع الاحتفاظ بإمكانية توسيع العمليات إذا استمرت التهديدات أو انهارت المفاوضات.

وتأتي هذه التطورات في تناقض واضح مع تعهد ترامب في الثامن من أكتوبر الماضي بعدم مهاجمة إيران قبل انتخابات الثالث من نوفمبر، مستنداً إلى ما وصفه آنذاك بالمحادثات المثمرة مع طهران. ورغم أن الإدارة الأميركية تميز بين الضربات الدفاعية المحدودة واستئناف العمليات القتالية الكبرى، فإن تنفيذ الهجوم قبل الانتخابات بيوم واحد يكشف أن التعهد لم يشمل وقف جميع أشكال العمل العسكري، وأن واشنطن أبقت لنفسها هامشاً واسعاً للتحرك تحت مبررات أمنية وعسكرية. 

ولا يمكن فصل توقيت العملية عن الحسابات السياسية الداخلية للإدارة الأميركية، في ظل انعكاسات الحرب على أسعار الطاقة والاقتصاد، والضغوط التي تواجه الجمهوريين مع اقتراب الانتخابات. فترامب يسعى إلى تقديم المواجهة باعتبارها حققت مكاسب عسكرية وأضعفت القدرات الإيرانية، دون تحمل تبعات الانخراط في حرب مفتوحة قد ترفع أسعار الوقود وتزيد الأعباء الاقتصادية والسياسية على إدارته.

وفي المقابل، يحاول البيت الأبيض إبقاء صورة المفاوضات حاضرة، إذ أكد ترامب أنه ليس في عجلة من أمره لاتخاذ قرار بشأن استئناف القتال، مشيراً إلى أن التوصل إلى اتفاق مع إيران لا يزال ممكناً. كما أبدى نائب الرئيس جي دي فانس تفاؤلاً حيال فرص التسوية، في وقت تتواصل فيه الوساطات القطرية لتقريب وجهات النظر بين الطرفين.

لكن هذه المرونة السياسية لا تعني أن واشنطن مستعدة لتقديم تنازلات دون مقابل. فالإدارة الأميركية تتمسك بإنهاء التهديدات التي تستهدف الملاحة في مضيق هرمز، وتأمين القوات والسفن التجارية، فيما تواصل فرض الحصار البحري على الموانئ الإيرانية، وهو ما يجعل الضغط الاقتصادي والعسكري جزءاً أساسياً من استراتيجية التفاوض.

وفي هذا السياق، كشفت تقارير إعلامية عن إعداد وساطة قطرية مسودة تتضمن سلسلة خطوات لبناء الثقة خلال ثلاثة أيام، تمهيداً لاستئناف المفاوضات المباشرة بين واشنطن وطهران. غير أن الخلافات الجوهرية لا تزال قائمة، خصوصاً بشأن الحصار البحري والعقوبات الأميركية وصادرات النفط الإيرانية، فضلاً عن الملفات الأمنية والنووية. وكانت طهران قد ربطت إعادة فتح مضيق هرمز وبدء مفاوضات الملف النووي بتلبية مطالبها المتعلقة برفع الحصار وتخفيف العقوبات. 

وتواجه هذه الجهود تعقيدات إضافية بفعل التباين داخل المعسكر الأميركي والإسرائيلي بشأن مستقبل المواجهة. فبينما يميل ترامب إلى منح المسار الدبلوماسي فرصة إضافية، نقلت تقارير عن ضغوط مارسها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لدفع واشنطن نحو استئناف الضربات العسكرية بعد الانتخابات، وسط مخاوف إسرائيلية من أن تمنح المفاوضات طهران وقتاً لإعادة ترتيب قدراتها.

ويزيد هذا التباين من حالة عدم اليقين بشأن المرحلة المقبلة، خصوصاً أن العودة إلى العمليات العسكرية الواسعة لن تقتصر تداعياتها على إيران، بل قد تمتد إلى جبهات إقليمية أخرى، تشمل الفصائل المسلحة في العراق والحوثيين في اليمن، فضلاً عن تهديدات إضافية للملاحة في الخليج والبحر الأحمر. 

ولا تمثل ضربة قشم إعلاناً أميركياً عن استئناف الحرب الشاملة، بقدر ما تعكس استراتيجية تقوم على إبقاء طهران تحت ضغط عسكري واقتصادي مستمر، ومنعها من استثمار التهدئة لإعادة فرض معادلات جديدة في مضيق هرمز أو إطالة أمد التفاوض دون تقديم تنازلات.

وتبدو الرسالة الأميركية واضحة في أن المسار الدبلوماسي لن يكون بمنأى عن القوة، وأن استمرار المفاوضات لا يعني وقف الضغط على إيران، فيما تجد طهران نفسها أمام معادلة أكثر تعقيداً: إما التعامل مع المطالب الأميركية ضمن تسوية تقيّد هامش تحركها الإقليمي والعسكري، أو مواجهة احتمالات تصعيد جديد لا تملك واشنطن حتى الآن موعداً معلناً أو سقفاً نهائياً له.

فيديو