أتعلمون لماذا تبدو المليونيات الجنوبية بالغة الأهمية، خصوصاً الآن؟ ولماذا أصبح ثبات الجنوبيين أكثر ضرورة من أي وقت مضى؟

 لأن ثمة مؤشرات على تغوّل يتشكل، وعلى استنساخ سيكولوجية المنتصر التي أعقبت حرب 1994، وربما بصورة أشد، رغم أن \"تلك القوى\" لم تحقق نصراً ولا تفوقاً، بل تستثمر في احداث وتداعيات لم تكن صانعتها ولا تمتلك السيطرة على مسارها أو نتائجها، وستدرك بعد حين بأن جوهر المعادلة لم يتغير وان الحقائق الصلبة لا تعيد النشوةُ العابرة صياغتَها.

يتجلّى هذا التغوّل في تصاعد خطاب إعلامي إقصائي ضد كل من دعم ويدعم قضية الجنوب، وفي بروز تابوهات سياسية و محظورات جديدة، ومساحات تضييق آخذة في الاتساع، وحالة من نشوة سياسية بلغت حد محاولة الافتراس المعنوي لكل من لا يمتثل تماماً للإملاءات الرمزية.

وهكذا يُعاد إنتاج منطق الإزاحة والإقصاء ذاته، كأن 94 وما تلاها لم تمثل درساً تاريخياً انتهى زمنه، وانما نموذج يستدعى كلما توهمت \"تلك القوى\" أن الموازين تميل لصالحها.

كل ذلك يمنح الثبات الجنوبي معنى يتجاوز الحسابات السياسية إلى مستوى أعمق، حيث يصبح الثبات مسألة وجود وكرامة، لا موقفاً قابلاً للمقايضة أو التبديل. إنه تعبير عن إدراك بأن لحظات التحوّل الكبرى لا تُحمى إلا بوعي يقظ، وبقدرة على الصمود دون انفعال.

وفي هذا السياق، لا يبلغ الثبات غايته إلا إذا اقترن بالنضج، لأن الثبات يحمي المبدأ، بينما يحمي النضج معناه من التشوّه. فالقضية الجنوبية، في جوهرها، ليست مواجهة مع شعبنا في الشمال، ولا مع شرائح جنوبية تختلف في تقييم الوسائل أو حتى في الغاية، بل سعي إلى تثبيت حق الجنوب في تقرير مصيره. ولهذا، فإنها لا تكتفي بالصمود وحده، بل تحتاج إلى وعي يضبط خطابها وأدوات التعبير عنها، حتى لا تستعير، دون أن تدري، المنطق الذي تقاومه، أو تفقد جزءاً من حيويتها وهي تسعى إلى ترسيخ عدالتها.
أحمـــــــــــدع

فيديو