برحيله يُطوى فصلٌ من تاريخ الجنوب… علي سالم البيض قامةٌ وطنية غادرت الجسد وبقيت في الوجدان

تقارير - منذ 1 ساعة

عين الجنوب|| خاص :
في لحظةٍ مثقلة بالحزن والأسى، ودّع الجنوب أحد أبرز رجالاته التاريخيين، الرئيس علي سالم البيض، القامة الوطنية التي واكبت مسيرة الجنوب النضالية منذ بواكيرها الأولى، وظلّت مواقفه حاضرة وصلبة رغم تقلّبات السياسة وقسوة المنفى وتعاقب المراحل. برحيله، لا يفقد الجنوب شخصية سياسية عابرة، بل يخسر رمزًا ارتبط اسمه بمحطات مفصلية شكّلت الوعي الوطني الجنوبي ومساره الحديث.
ولد علي سالم البيض في مرحلةٍ كان فيها الجنوب يرزح تحت واقع معقّد، فانخرط مبكرًا في العمل الوطني، مشاركًا في النضال ضد الاستعمار، ومساهمًا في صناعة مرحلة الاستقلال وبناء الدولة الجنوبية. تدرّج في المسؤوليات القيادية حتى أصبح أحد أبرز صُنّاع القرار، قبل أن يتولى موقع رئاسة الدولة في واحدة من أكثر الفترات حساسية في تاريخ الجنوب، حيث كانت التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية تتطلب قيادة تمتلك الجرأة والقدرة على اتخاذ القرار.
لم يكن البيض سياسيًا تقليديًا، بل مثّل مدرسة خاصة في العمل السياسي، اتسمت بالوضوح والتمسك بالموقف، حتى في أحلك الظروف. خاض تجارب معقّدة، وانتقل من مرحلة بناء الدولة إلى مرحلة الصراعات والتحولات الكبرى، وظل خلالها متمسكًا بقناعاته تجاه قضية الجنوب وحقوق شعبه، رافضًا التنازل عنها مهما تغيّرت التحالفات أو اشتدت الضغوط.
شغل الفقيد عدة مناصب قيادية عليا في الجنوب، وكان حاضرًا في مفاصل القرار السياسي، سواء في زمن الدولة أو خلال المنعطفات التي أعقبتها. ومع اشتداد الصراعات، اختار المنفى القسري، لكنه لم يغادر القضية، بل بقي صوته حاضرًا في الدفاع عن الجنوب، داعمًا لحقه في استعادة دولته، ومعبّرًا عن تطلعات شعبه في الحرية والسيادة، دون أن تغيّر الغربة أو الحسابات الإقليمية من جوهر موقفه.
تميّزت مسيرة علي سالم البيض بالجدل، شأنه شأن كل القادة الذين يمرون عبر المراحل العاصفة، لكن الثابت في تجربته أنه ظل وفيًا لقناعته، ولم يُسجَّل عليه تراجع عن موقفٍ تبنّاه دفاعًا عن الجنوب. ولذلك، فإن رحيله لا يُقرأ فقط كخبر وفاة، بل كخسارة وطنية لرمزٍ شكّل جزءًا من الذاكرة السياسية الجنوبية، وترك أثرًا لا يمكن تجاوزه في سردية النضال الجنوبي.
اليوم، يودّع الجنوب أحد رجاله الذين كتبوا أسماءهم في صفحات التاريخ، رجلًا اختلف حوله البعض، لكنه اتفق الجميع على أنه كان حاضرًا في كل المراحل المصيرية، وأنه حمل الجنوب في فكره وخطابه حتى آخر أيامه. وبرحيله، تبقى سيرته مفتوحة للنقاش والتقييم، لكنها ستظل محفورة في وجدان شعبٍ لا ينسى من دافع عنه، ولا من ثبت على موقفه حين تبدّل الكثيرون.
رحم الله الرئيس علي سالم البيض، القامة الوطنية التي غابت جسدًا وبقيت أثرًا، وسيبقى اسمه حاضرًا كلما استُحضرت مسيرة الجنوب ونضاله الطويل من أجل حقه ومستقبله.

فيديو