صافرة موسكو الاخيرة هل بداء العد التنازلي للحرب

تقارير - منذ 3 ساعات

خاص|عين الجنوب                      

في لحظة تتكدس فيها البوارج في البحار، وتتصاعد أعمدة الدخان فوق مدن الشرق الأوسط، خرج الكرملين بتصريح بدا أقرب إلى صافرة إنذار منه إلى تعليق سياسي عابر. حين تتحدث الرئاسة الروسية عن احتمال انزلاق المنطقة إلى حرب عالمية ثالثة، فإن الرسالة لا تُقرأ كتحليل إعلامي، بل كمؤشر على مستوى القلق داخل دوائر القرار في موسكو، خصوصاً أن الكرملين يمثل مركز صناعة القرار الاستراتيجي في الدولة الروسية.
الحرب الدائرة بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، تجاوزت حدود الاشتباك التقليدي أو حرب الوكلاء التي اعتادتها المنطقة خلال العقود الماضية. نحن أمام مشهد تتداخل فيه القدرات الصاروخية بعيدة المدى، وأنظمة الدفاع الجوي المتطورة، والرسائل النووية غير المعلنة، في مساحة جغرافية ضيقة ومكتظة بالتحالفات المتشابكة. أي خطأ في الحسابات، أي ضربة تتجاوز “الخط الأحمر” غير المكتوب، قد تفتح الباب أمام تصعيد لا يمكن احتواؤه بسهولة.
التحذير الروسي لا يأتي من فراغ. موسكو ترى أن النظام الدولي الذي تأسس بعد الحرب الباردة يتآكل بسرعة. قواعد الاشتباك التي كانت تضبط الإيقاع بين القوى الكبرى لم تعد واضحة كما كانت. قنوات التواصل الساخنة التي حالت دون الانفجار في أزمات سابقة تبدو اليوم أضعف تحت ضغط الاستقطاب الحاد. ومع دخول أطراف نووية في مشهد الصراع، يصبح أي تصعيد تقني أو عسكري قابلاً للتحول إلى أزمة استراتيجية تتجاوز حدود الإقليم.
في خلفية الصورة تقف الصين مترقبة، تزن خطواتها بدقة بين مصالحها الاقتصادية مع الخليج وعلاقاتها المعقدة مع واشنطن وموسكو. بكين لا تريد حرباً شاملة تعصف بسلاسل الإمداد العالمية، لكنها في الوقت ذاته لا ترغب في رؤية ميزان القوى يميل بالكامل لمصلحة خصومها. هذا الترقب الصيني يضيف بعداً دولياً أوسع للأزمة، ويجعل أي مواجهة مباشرة بين طهران وواشنطن ذات ارتدادات عابرة للقارات.
الذاكرة التاريخية تعود سريعاً إلى أزمة الصواريخ الكوبية عام 1962، حين وقف العالم على بعد خطوات من مواجهة نووية بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي. آنذاك، لعبت قنوات الاتصال السرية وحسابات الردع الباردة دوراً في تجنب الكارثة. لكن الفارق اليوم أن ساحة التوتر ليست جزيرة معزولة في الكاريبي، بل إقليم مشتعل تتداخل فيه النزاعات الطائفية والسياسية والاقتصادية، وتتشابك فيه مصالح قوى إقليمية ودولية بشكل أعقد بكثير.
من زاوية موسكو، فإن اتساع رقعة الضربات وارتفاع سقف الخطاب العسكري قد يدفع واشنطن إلى خيارات أكثر حدة، خصوصاً إذا شعرت أن هيبتها الاستراتيجية على المحك. وفي المقابل، ترى طهران أن التراجع تحت الضغط سيقوض مكانتها الإقليمية ويضعف شبكة تحالفاتها. بين هذين المنطقين، يكمن أخطر عناصر الأزمة: منطق الكرامة الوطنية المرتبط بالقوة العسكرية، وهو منطق كثيراً ما دفع دولاً كبرى إلى حروب لم تكن تخطط لها أصلاً.
السؤال الذي يفرض نفسه ليس ما إذا كانت الأطراف تريد حرباً عالمية، بل ما إذا كانت قادرة على منعها إذا خرجت الأمور عن السيطرة. الحروب الكبرى في التاريخ لم تبدأ دائماً بقرار واعٍ لإشعال العالم، بل بسلسلة من ردود الفعل المتسارعة وسوء تقدير نوايا الخصم. في بيئة مشحونة بالصواريخ والطائرات المسيّرة والتصريحات المتحدية، يصبح هامش الخطأ ضيقاً للغاية.
تحذير الكرملين يمكن قراءته كرسالة مزدوجة: من جهة، تنبيه للعالم بأن الشرق الأوسط لم يعد مجرد ساحة صراع إقليمي؛ ومن جهة أخرى، تذكير بأن روسيا لاعب حاضر لا يمكن تجاهله في أي ترتيبات قادمة. إنه إعلان بأن موسكو ترى في التصعيد الحالي اختباراً لتوازن القوى العالمي، لا مجرد جولة جديدة في نزاع طويل.
وبينما تمتلئ سماء المنطقة بدخان المعارك، يبقى العالم معلقاً بين سيناريوهين: احتواء مدروس يعيد الأطراف إلى طاولة الحسابات الباردة، أو انزلاق متدرج نحو مواجهة أوسع تعيد رسم خرائط النفوذ بالنار. في هذه اللحظة المفصلية، يبدو أن الشرق الأوسط لم يعد فقط ساحة حرب، بل مرآة تعكس هشاشة النظام الدولي كله… وعلى حافتها يقف العالم مترقباً، يختبر أعصابه كما لم يفعل منذ عقود.

فيديو