إكراه تحت لافتة الحوار: كيف تُحاك خيوط “اليمن الكبير” على حساب الجنوب؟

تقارير - منذ 4 ساعات

عدن | عين الجنوب | خاص .

في سجلّ الحروب والتدخلات، نادرًا ما يأتي الغزو بوجهه الحقيقي القوى الطامعة لا تطرق الأبواب بدباباتها فقط بل تتسلّل أولاً عبر الشعارات، تختفي خلف القضايا ذاتها التي ترفعها الشعوب، تُلبس مشاريعها ثوب «الإنقاذ» و«الإصلاح» و«الدعم»، وتدخل من بوابة المظلومية لا من بوابة الاحتلال.

هكذا يسوق التدخل باعتباره مساندة، تقدم الهيمنة على أنها شراكة، فيما الهدف واحد: كسر الإرادة، والتحكّم بالقرار، وإعادة رسم الجغرافيا السياسية بأقلام غير أصحابها، وهنا تحديدا تتبدّى ملامح ما تخطط له المملكة العربية السعودية تجاه الجنوب: إطفاء الجمر لا بإخماده، بل بتغطيته بالرماد، وإدارة التناقضات لا حسمها، وتمديد الأزمة عبر تفتيت الصوت الجنوبي تحت لافتة الحوار.

على هذا السياق، جاء اللقاء التشاوري الجنوبي في العاصمة السعودية الرياض، أو ما سُمّي بـ«الحوار الجنوبي–الجنوبي» برعاية المملكة العربية السعودية، لقاءٌ يطفو على السطح بعبارات التهدئة، بينما تعكس الوقائع مسارا مغايراً، بدأ بالقوة ثم انتقل إلى السياسة، وانتهى بمحاولة إدارة المشهد الجنوبي وفق مقاسات خارجية.

فقبل الدعوات إلى الحوار، كانت السماء قد قالت كلمتها، قصفٌ جوي سعودي استهدف القوات المسلحة الجنوبية في حضرموت، تلاه تصعيدٌ جوي في محافظة الضالع خلّف دمارا واسعاً، وضرب ركائز مشروع استعادة الدولة الجنوبية في لحظة مفصلية، لم يكن القصف حدثا عابرا في نشرة أخبار، بل رسالة قاسية مفادها أن ميزان القوة يمكن ترجيحه قبل أي طاولة حوار.

ثم جاء المسار السياسي; دعت المملكة إلى حوار جنوبي–جنوبي، وبعث المجلس الانتقالي الجنوبي وفداً إلى الرياض، غير أن مسار الدعوة سرعان ما انقلب على مقصده، إذ تعرض الوفد للاحتجاز والضغط، لتنتهي العملية بإعلانٍ صادم في 9 يناير 2026: إعلان حلّ المجلس الانتقالي الجنوبي من الرياض، هنا يبرز السؤال الجوهري: كيف لوفدٍ موفد باسم كيان سياسي أن يُنهي وجود الكيان ذاته؟ سؤال لا يحتاج كثير تأويل، بقدر ما يفتح باب الحديث عن إكراه سياسي حوّل الحوار إلى أداة، والتمثيل إلى ورقة ضغط.

الشارع الجنوبي لم يقف متفرجا، ففي 10 يناير 2026 خرجت مليونية في عدن تأكيدا على التمسك بالمجلس الانتقالي ورفضا لإعلان الحل. 
وبعدها بأيام، في 16 يناير 2026، شهدت العاصمة عدن مليونية شعبية كبرى طالبت صراحة بحق الاستقلال، وجاءت تلبية لدعوة الرئيس القائد عيدروس الزُبيدي، لتؤكد أن القرار الجنوبي لا يُصاغ في غرف مغلقة، بل في الساحات حين تتكلم الجماهير.
اليوم تعود الرياض لتستضيف اللقاء التشاوري الجنوبي، بمشاهد لرايات جنوبية ونشيد جنوبي، وأصوات تتحدث عن استعادة الدولة، مشهدٌ يبدو، في ظاهره، احتفاءً بالتعدد، لكنه في قراءته الأعمق محاولة لتخدير الشارع الجنوبي وامتصاص غضبه، لا أكثر، فالمشهد يُدار كصورة، بينما الجوهر مؤجل .
مصادر مطّلعة تشير إلى خطة متعددة المسارات: ظهور لقاءٍ لمن يطالب باستعادة الدولة، يعقبه – خلال أيام – لقاءٌ لمن يطالب بدولة حضرموت، ثم لقاءٌ آخر لمن يرفع شعار الوحدة اليمنية، لتجمع هذه المسارات لاحقاً في ما يُسمى حوارا شاملا، يقدم للعالم باعتباره دليل انقسام جنوبي، والغاية، وفق هذه القراءة، ليست التوفيق بين رؤى، بل تهيئة المسرح لتمرير مشروع الأقاليم ضمن ما يُسمى “اليمن الكبير” عبر إضعاف القضية الجنوبية بتشتيت صوتها.
بين القصف الذي سبق الحوار، والضغط الذي رافقه، والمشاهد التي تُدار اليوم، تتشكّل لوحة واحدة: إدارة نزاع لا حله، وتدوير أزمة لا إنهاؤها. 
هنا، تبدو الحكمة الجنوبية مطلوبة أكثر من أي وقت مضى؛ وعيٌ يقرأ ما بين السطور، ويدرك أن الشعارات قد تستخدم جسوراً لعبور مشاريع لا تشبه أصحاب الأرض.
في السياسة، ليست كل المصافحات سلاما، ولا كل الحوارات حلولاً أحيانا، يكون أخطر ما في المشهد هو ما يُقال بهدوء، لا ما يُقصف بصخب.

فيديو