من مفارقات الزمن الصعب: الإعلام الشمالي منشغل بالجنوب المُحرَّر بدل الحوثي المُغتصِب

تقارير - منذ 7 ساعات

عين الجنوب|| خاص:
في زمنٍ تتشابك فيه المآسي وتتقدّم فيه الأولويات وفق منطق الخطر والواجب، تبدو المفارقة صارخة حين ينشغل جزء واسع من الإعلام الشمالي بتوجيه بوصلته نحو الجنوب المُحرَّر، متتبعًا تفاصيله، ناقدًا خياراته، ومشككًا في مساراته، بينما يتراجع حضوره ـ أو يغيب كليًا ـ أمام الخطر الحقيقي المتمثل في جماعةٍ اغتصبت الدولة، وصادرت القرار، وحوّلت المجتمع إلى رهينة حربٍ مفتوحة.
هذه المفارقة لا تُقرأ باعتبارها زلة مهنية عابرة، بل كتحوّلٍ في السردية الإعلامية، حيث تُستبدل معركة استعادة الدولة بمعركة تشويه الجنوب. تُضخّم الأخطاء الصغيرة في الجنوب، وتُصاغ الأحداث بلغة الاتهام والتخوين، وتُستدعى ذاكرة الصراعات القديمة لإعادة إنتاج صورة نمطية تخدم سردية سياسية بعينها. في المقابل، يُتعامل مع واقع الاغتصاب الحوثي كخبرٍ اعتيادي، أو كأمرٍ واقعٍ لا يستحق ذات الزخم ولا نفس حدّة الخطاب.
اللافت أن الجنوب، رغم كل التحديات الاقتصادية والخدمية والأمنية، قدّم نموذجًا نسبيًا للاستقرار وإدارة الذات في ظروف قاسية. ومع ذلك، لا يجد هذا الجهد طريقه إلى التغطية المنصفة، بل يُستبدل بخطابٍ يختزل الجنوب في أزماته، ويتجاهل سياق الحرب والحصار والضغوط المركبة. هنا، تتحول المهنة من مساءلة السلطة المغتصِبة إلى مساءلة الضحية، ومن تفكيك مشروع الانقلاب إلى تفكيك إرادة شعبٍ يسعى لحماية أرضه وقراره.
إن انشغال الإعلام الشمالي بالجنوب ليس بريئًا؛ فهو يعكس ارتباكًا في ترتيب الأولويات، وربما عجزًا عن مواجهة الحقيقة الصعبة في الشمال. فمواجهة الحوثي تتطلب خطابًا شجاعًا، وموقفًا واضحًا، وتكلفة سياسية وأمنية عالية. أما مهاجمة الجنوب، فهي ساحة أسهل، تُكسب بعض التصفيق، وتُرضي حسابات ضيقة، دون أن تُسهم في تغيير الواقع الكارثي.
المفارقة الأكبر أن هذا الخطاب لا يخدم سوى المغتصِب. فحين تتشتت الجهود الإعلامية، وتتحول إلى صراعات جانبية، يُمنح الانقلاب مزيدًا من الوقت لتكريس سلطته، وتُستنزف طاقات الرأي العام في معارك وهمية. الإعلام، في جوهره، أداة توجيه ووعي، وحين يفقد بوصلته، يتحول إلى عبءٍ على القضية بدل أن يكون رافعةً لها.
في الزمن الصعب، تُقاس المواقف بوضوحها، وتُقاس المهن بقدرتها على قول الحقيقة كاملة. الحقيقة اليوم أن الخطر الأكبر هو الاغتصاب، وأن الانشغال بالجنوب المُحرَّر على حساب مواجهة هذا الخطر ليس سوى مفارقةٍ مؤلمة، يدفع ثمنها الجميع.

فيديو