الجنوب… الأرض التي كسرت سيوف الغزاة ولن تنحني لوصاية جديدة

تقارير - منذ 3 ساعات

عين الجنوب|| خاص:
لم يكن الجنوب العربي يومًا أرضًا سائبة في مهب الأطماع، بل كان ـ عبر العصور ـ ساحة اختبار لإرادة الغزاة. كل من مرّ من هنا ظنّ أن البحر مفتاح السيطرة، وأن الموانئ طريق الهيمنة، وأن الجغرافيا قابلة للترويض. لكن ما لم يدركه الطامعون أن لهذه الأرض ذاكرةً لا تنسى، وشعبًا لا يقبل أن يُحكم إلا بإرادته.
من البرتغاليين الذين حاولوا تطويق السواحل والتحكم بخطوط التجارة، إلى الفرس الذين سعوا لمدّ نفوذهم في محطات تاريخية متقطعة، مرورًا بالعثمانيين الذين دخلوا الجنوب في سياق صراعاتهم الإقليمية، وصولًا إلى البريطانيين الذين أحكموا قبضتهم على عدن لعقود طويلة — كانت القصة واحدة: قوة وافدة تحاول فرض واقع، وشعب يرفض أن يتحول إلى تابع.
ورغم تفاوت أدوات السيطرة بين مدافع السفن واتفاقيات الحماية والتحالفات المحلية، ظلّ الثابت أن الجنوب لم يستسلم. اندلعت الثورات، وتصاعدت الانتفاضات، وتراكم الوعي الوطني حتى انفجرت شرارة الرابع عشر من أكتوبر 1963، لتدشن مرحلة جديدة من الكفاح انتهت برحيل الاستعمار البريطاني عام 1967. لم يكن ذلك مجرد انسحاب قوة استعمارية، بل إعلانًا صريحًا بأن هذه الأرض لا تُدار إلا بأيدي أبنائها.
وفي محطات أخرى من التاريخ، دخل الجنوب في صراعات سياسية مع قوى حكم قادمة من الشمال، بما فيها فترات النفوذ الزيدي، ضمن سياقات معقدة اختلط فيها السياسي بالمناطقي، والمذهبي بالإداري. لكن جوهر المواجهة ظلّ يدور حول سؤال واحد: من يملك القرار؟ ومن يحدد مصير الأرض والناس؟
اليوم، يُستحضر هذا التاريخ في الخطاب الجنوبي بوصفه سلسلة متصلة من المواجهة مع كل أشكال الوصاية. فالأرض التي واجهت الإمبراطوريات البحرية، وأسقطت الاستعمار، ورفضت أن تكون ساحة نفوذ دائم لأي قوة، ترى في حاضرها امتدادًا لذلك الإرث. الجنوب ـ في وعي كثير من أبنائه ـ ليس مجرد مساحة جغرافية، بل قضية سيادة وكرامة، ومطلب إدارة ذاتية بعيدًا عن الإملاءات والصراعات التي تُفرض من خارج إرادته.
ومع ذلك، فإن قراءة هذا التاريخ بحدّته لا تعني تجاهل تعقيداته. فقد كانت الصراعات دائمًا جزءًا من تحولات إقليمية ودولية كبرى، وتداخلت فيها حسابات القوى الكبرى مع الانقسامات الداخلية. لكن ما بقي راسخًا أن سكان الجنوب، في مختلف المراحل، سعوا لانتزاع حقهم في تقرير شؤونهم، مهما تبدلت الأسماء والرايات.
هكذا يتحدث الجنوب عن نفسه اليوم: أرضٌ خبرت الاحتلال فلم تطبعه، وواجهت الهيمنة فلم تستسغها، ودفعت أثمانًا باهظة لتقول إن السيادة ليست شعارًا بل حقًا. بين سواحل بحر العرب وجبال ردفان والضالع، تتجدد الحكاية نفسها — إرادة شعب يرى أن وطنه لا يكون وطنًا كاملًا إلا حين يكون قراره بيده، ومستقبله مرسومًا بإرادته، لا بإملاءات الآخرين.

فيديو