الجنوب امام معركة الوعي زخم شعبي وبركان غضب في مواجهة الوعود المؤجلة

تقارير - منذ 1 ساعة

خاص|| عين الجنوب:
في لحظة سياسية فارقة، صدرت مواقف شعبيه حاسمة وبركان غضب أكدت أن القضية الجنوبية لم تعد بندًا مؤجلًا في جدول التسويات، بل أصبحت محورًا أساسيًا في أي معادلة سلام قادمة. الرسالة كانت واضحة: لا يمكن القفز فوق إرادة شعب الجنوب، ولا يمكن بناء استقرار دائم دون معالجة جذور الصراع الممتد منذ ما بعد وحدة عام 1990 وما تبعها من تحولات عميقة غيّرت شكل العلاقة بين الشمال والجنوب.
الموقف الجديد جاء بلغة مختلفة عن بيانات المجاملة المعتادة، إذ شدد على أن الجنوب اليوم أقرب إلى تحقيق هدفه السياسي من أي وقت مضى، وأن المجتمع الدولي بات أكثر إدراكًا لحقيقة أن أي اتفاق لا يتضمن حلاً عادلاً ومنصفًا للقضية الجنوبية سيبقى هشًا وقابلًا للانهيار عند أول اختبار ميداني أو سياسي. هذا التحول في الخطاب يعكس ثقة متنامية بمتغيرات إقليمية ودولية، ويعكس كذلك قراءة لمرحلة يُعاد فيها ترتيب الأولويات في المنطقة.
وفي قلب هذه الرسائل، برز التأكيد القاطع على أن خيار الاستقلال الكامل وبناء الدولة الجنوبية على حدود ما قبل 1990 ليس طرحًا تفاوضيًا قابلًا للمساومة، بل هدف استراتيجي يعبر عن إرادة شريحة واسعة من الشارع الجنوبي. هذه النقطة تحديدًا تعيد تعريف سقف التفاوض، وتنقل النقاش من تحسين شروط الشراكة إلى إعادة صياغة العلاقة من أساسها.
كما حملت التصريحات موقفًا صارمًا من أي محاولات لاحتواء الحراك الجنوبي عبر تحسينات خدمية مؤقتة أو ضخ أموال في قنوات سياسية واجتماعية بهدف امتصاص الغضب الشعبي. الرسالة هنا كانت مباشرة: الخدمات حق أصيل للمواطن، وليست مقابلًا سياسيًا أو ثمنًا للتنازل عن مشروع وطني. الكهرباء والمياه والرواتب ليست أوراق مساومة، بل واجبات دولة تجاه شعبها، وأي محاولة لتقديمها كبديل عن الحل السياسي لن تنجح في تغيير المعادلة.
وفي السياق ذاته، طُرحت مسألة حضرموت والمهرة باعتبارهما جزءًا لا يتجزأ من المشروع الوطني الجنوبي، مع رفض واضح لتحويلهما إلى ساحات صراع نفوذ إقليمي أو منصات لتصفية الحسابات بين أطراف خارجية. التأكيد على أن القرار فيهما لأبنائهما ضمن إطار وطني جامع يحمل رسالة مزدوجة: حماية النسيج الاجتماعي من الاستقطاب، ومنع تفكيك الجغرافيا السياسية للجنوب عبر مشاريع موازية أو متعارضة.
المشهد الحالي يعكس احتقانًا متراكمًا بفعل سنوات من الحرب والأزمات الاقتصادية، لكنه في الوقت ذاته يكشف عن مستوى عالٍ من التعبئة السياسية والوعي الجمعي. الخطاب الصادر مؤخرًا لم يكن مجرد إعلان موقف، بل بدا كإشارة لانطلاق مرحلة جديدة، عنوانها تثبيت الثوابت ورفض الحلول الجزئية. الحديث عن “اختبار وعي وثبات” يوحي بأن المرحلة المقبلة قد تحمل تطورات مفصلية، سواء على مستوى التفاوض أو إعادة ترتيب التحالفات.
يرى مراقبون أن هذا التصعيد السياسي يتزامن مع تحولات أوسع في الملف السياسي في البلاد حيث يتزايد الحديث في الأوساط الدولية عن ضرورة معالجة جذور الأزمة بدلًا من الاكتفاء بترتيبات أمنية مؤقتة. وفي هذا السياق، تبدو القضية الجنوبية في طريقها لاستعادة موقعها كملف مستقل داخل أي عملية سياسية شاملة، لا كملحق ثانوي يمكن تجاوزه.
الشارع الجنوبي، الذي عبّر مرارًا عن مطالبه عبر التظاهرات والفعاليات الجماهيرية، يجد في هذه الرسائل انعكاسًا لصوته المتصاعد. فالمعادلة المطروحة لم تعد تقتصر على تحسين مستوى الخدمات أو تقاسم مناصب، بل ترتبط بمفهوم السيادة والهوية والقرار السياسي المستقل. ولهذا، فإن الأيام القادمة قد تشكل محطة حاسمة في مسار طويل من المطالبات والتضحيات.
في ظل هذا المشهد، يتضح أن الجنوب يقف أمام مفترق طرق تاريخي: إما تثبيت مشروعه الوطني في معادلة الحل الشامل، أو الدخول في دوامة تسويات مرحلية قد تؤجل الانفجار دون أن تعالجه. لكن الرسالة التي خرجت هذه المرة تبدو أكثر حسمًا من أي وقت مضى، وتؤكد أن المرحلة المقبلة لن تكون كسابقاتها، وأن سقف التوقعات ارتفع إلى مستوى غير مسبوق.
بين لغة الثقة والتحذير، وبين الحديث عن انفراجة كبرى تلوح في الأفق، تتشكل ملامح مرحلة سياسية جديدة عنوانها الوضوح والمواجهة المفتوحة مع أي محاولات لتذويب القضية أو إعادة تدويرها. الجنوب، وفق هذا الخطاب، ليس ورقة تفاوض عابرة، بل مشروع دولة يرى أن لحظته التاريخية قد اقتربت.

فيديو