حين ينتصر الصوت الحر… براءة الدكتور فهد الشليمي تكشف سقوط محاولات إسكات صوت الجنوب

السياسة - منذ ساعتان

خاص|عين الجنوب                       

في لحظة بدت بالنسبة لكثيرين أكثر من مجرد حكم قضائي، أسدلت محكمة الجنايات في دولة الكويت الستار على قضية أثير حولها الكثير من الجدل، حين أعلنت برئاسة المستشار حمود الشامي براءة الكاتب والمحلل السياسي الكويتي الدكتور فهد الشليمي من جميع التهم التي وُجهت إليه، في حكم حمل دلالات تتجاوز حدود قاعة المحكمة ليصل صداه إلى المشهد السياسي والإعلامي في المنطقة، ويؤكد أن الكلمة الحرة قد تُحاصر أحيانًا لكنها لا تُهزم.
هذا الحكم لم يكن مجرد انتصار قانوني لشخصية إعلامية معروفة، بل بدا في نظر كثيرين انتصارًا لقيمة الموقف الصريح ولحرية الرأي في مواجهة محاولات التضييق والتشويه. فقد جاء القرار بعد معركة قانونية خاضتها هيئة دفاع قوية ضمت المحامين عبدالعزيز الشليمي وزايد الجميعة ومشاري الشليمي وحسين دوبان، الذين تمكنوا من تفكيك كل الادعاءات التي حاولت إلصاق التهم بالرجل، ليظهر في النهاية أن القضية لم تكن سوى محاولة فاشلة للنيل من صوت ظل واضحًا في مواقفه وصريحًا في طرحه.
الدكتور فهد الشليمي لم يكن يومًا مجرد محلل سياسي عابر في الفضاء الإعلامي العربي، بل تحول خلال السنوات الماضية إلى واحد من أبرز الأصوات الخليجية التي تحدثت بوضوح عن القضية الجنوبية، ووقفت إلى جانب شعب الجنوب في حقه بالحرية والكرامة واستعادة دولته، وهو موقف لم يكن سهلًا في ظل تعقيدات المشهد الحالي وتداخل الحسابات الإقليمية. غير أن الشليمي اختار أن ينحاز لما يراه حقًا تاريخيًا وسياسيًا، وأن يتحدث عن معاناة شعب الجنوب بلغة عربية صادقة لا تعرف المواربة.
من هنا يرى كثير من المتابعين أن استهدافه لم يكن صدفة، بل نتيجة طبيعية لمواقف صريحة أزعجت أطرافًا حاولت طوال السنوات الماضية تقديم رواية أحادية عن واقع الجنوب، فيما جاء صوت الشليمي ليكسر تلك الرواية ويطرح سردية مختلفة تنطلق من حق الشعوب في تقرير مصيرها ومن قراءة سياسية تعتبر أن القضية الجنوبية ليست مجرد أزمة إدارية داخل دولة منهكة، بل قضية شعب وهوية وتاريخ.
ولهذا لم يكن غريبًا أن تتحول القضية التي رُفعت ضده إلى اختبار حقيقي لقوة الموقف الذي يمثله. فالرجل الذي تحدث مرارًا عن الجنوب ووقف إلى جانب تطلعات أبنائه وجد نفسه فجأة في مواجهة اتهامات بدت للكثيرين وكأنها محاولة لإسكاته أو الحد من حضوره الإعلامي. لكن مجريات القضية أثبتت أن تلك المحاولات لم تكن قادرة على الصمود أمام الحقيقة، وأن القضاء الكويتي ظل وفيًا لتقاليده الراسخة في حماية العدالة وعدم السماح بتوظيف القوانين لتصفية الحسابات السياسية أو الإعلامية.
في الشارع الجنوبي، وفي أوساط المتابعين للقضية الجنوبية، استُقبل الحكم بارتياح واسع، ليس فقط لأن شخصية مؤيدة للجنوب خرجت منتصرة من معركة قضائية، بل لأن ما حدث اعتُبر رسالة واضحة مفادها أن دعم القضية الجنوبية لم يعد مجرد موقف محلي أو إقليمي محدود، بل قضية تجد من يدافع عنها في عواصم عربية مختلفة انطلاقًا من قناعة قومية وإنسانية.
فهد الشليمي بالنسبة لكثير من الجنوبيين لم يكن مجرد متعاطف، بل صوت عربي عبّر عن جوهر العروبة بمعناها الحقيقي، تلك العروبة التي لا تُقاس بالشعارات بل بالمواقف، ولا تُختبر في الخطابات بل في لحظات المواجهة. لقد اختار أن يقف إلى جانب شعب يرى أنه تعرض للظلم التاريخي، وأن يدافع عن حقه في استعادة دولته وهويته، وهو موقف جعل اسمه حاضرًا بقوة في النقاشات السياسية المرتبطة بمستقبل الجنوب.
وإذا كان البعض قد ظن أن الضغوط يمكن أن تُجبره على التراجع أو الصمت، فإن الحكم القضائي الذي صدر بدا وكأنه إعلان صريح بفشل تلك الرهانات. فالكاتب الذي حاول البعض إسكات صوته خرج من القضية أكثر حضورًا، وأكثر قدرة على مواصلة ما بدأه من طرح سياسي وإعلامي يتبنى رؤية واضحة تجاه ما يجري في اليمن عمومًا وفي الجنوب خصوصًا.
كما أن هذا التطور يعكس في جانب آخر مكانة القضاء الكويتي الذي أثبت مرة أخرى أنه قادر على الوقوف فوق التجاذبات، وأن العدالة حين تُمارس باستقلالية تصبح خط الدفاع الأول عن حرية الرأي والتعبير. فالحكم لم يكن مجرد قرار قانوني، بل رسالة بأن دولة المؤسسات لا تسمح بتحويل القضاء إلى أداة ضغط، وأن القانون يبقى الضامن الحقيقي لحقوق الأفراد مهما اشتدت الحملات أو تعددت الاتهامات.
في النهاية، خرج الدكتور فهد الشليمي من هذه القضية ليس فقط ببراءة قانونية، بل ببراءة سياسية وأخلاقية أيضًا، بعدما تبيّن أن ما تعرض له لم يكن سوى عاصفة حاولت إخماد صوت اعتاد أن يقول ما يراه حقًا. أما بالنسبة لكثير من الجنوبيين، فقد بدا الأمر وكأن أحد الأصوات العربية التي وقفت معهم في معركتهم الطويلة قد اجتاز اختبارًا صعبًا وانتصر فيه، لتبقى رسالته واضحة: أن القضايا العادلة قد تواجه الضغوط، لكنها تجد دائمًا من يدافع عنها بإيمان لا يتزعزع.

فيديو