مقامرة الأنابيب.. هل تبتلع أطماع السعودية النفطية أحلام الاستقلال الجنوبي في المهرة وحضرموت؟

السياسة - منذ 1 ساعة

خاص||عين الجنوب:
خلف غبار المعارك وتفاصيل التجاذبات السياسية المرهقة في الجنوب، تقبع حقيقة باردة كالفولاذ، وممتدة كأنابيب النفط التي تخطط الرياض لمدها منذ عقود؛ فما يحدث اليوم في حضرموت والمهرة ليس مجرد نزاع حدودي أو تباين في وجهات النظر بين حلفاء الأمس، بل هو فصل ذروة في مخطط استراتيجي وُضعت لبناته الأولى في وثائق سرية تعود لعام ١٤٣٣ه‍، حين أدركت المملكة أن شريان حياتها الاقتصادي المتمثل في مضيق هرمز بات رهينة للتهديدات الإيرانية المتكررة، مما جعل من الوصول إلى مياه البحر العربي عبر الأراضي الجنوبية ضرورة وجودية لا تقبل القسمة على اثنين، ولو تطلب الأمر إعادة رسم خارطة النفوذ في المنطقة بأكملها بالحديد والنار.
لقد كانت الاستراتيجية السعودية هادئة وطويلة النفس، حيث بدأت بمحاولة استمالة القوى المحلية في حضرموت والمهرة تحت لافتات الاستقلال والخصوصية، مستغلة الفراغ السياسي الذي خلفته سنوات الحرب، لضمان بيئة موالية تسمح بعبور "أنبوب النجاة" الذي سيؤمن تصدير النفط السعودي بعيداً عن مقصلة طهران، إلا أن هذه الحسابات اصطدمت بصخرة الواقع بنهاية عام 2025، حين أحكمت القوات الجنوبية قبضتها العسكرية على هذه المناطق الحيوية، مما شكل تهديداً مباشراً وفورياً للمشروع السعودي الذي لا يرى في هذه الجغرافيا سوى ممر آمن لثرواته، ومع فشل الحليف الإماراتي في إقناع القوات الجنوبية بالانسحاب أو تقديم تنازلات جوهرية، قررت الرياض خلع قفازات الدبلوماسية والتحول إلى الهجوم الكاسح لتفكيك أي عائق يقف أمام طموحها النفطي.
هذا التحول الجذري تجلى في خطوات تصعيدية لم تترك مجالاً للشك، بدأت بالضغط لإزاحة النفوذ الإماراتي من المشهد لضمان انفراد سعودي مطلق، وصولاً إلى التدخل العسكري المباشر عبر قصف القوات المسلحة الجنوبية وإرغامها على التراجع من مواقعها الاستراتيجية في الشرق، ولم يتوقف الأمر عند حدود الميدان، بل امتد لضرب الرأس السياسي للجنوب عبر محاولات حل المجلس الانتقالي وإسقاط الرئيس عيدروس الزبيدي من معادلة السلطة، في محاولة لقطع الطريق أمام أي مشروع وطني قد يتعارض مع الأطماع الاقتصادية الكبرى، وبدلاً من ذلك، سعت الرياض لفرض "حوار جنوبي-جنوبي" على أرضها، ليس بهدف التوافق، بل لفرض قيادات بديلة تدين بالولاء الكامل لمشاريعها، وتشرعن تقسيم الجنوب أو تحويل محافظاته الشرقية إلى محميات نفطية تابعة للقرار السعودي.
إن المشهد القائم اليوم يكشف بوضوح أن الصراع في الجنوب قد تجاوز مسميات "الشرعية" و"الانقلاب" أو حتى "حق تقرير المصير"، ليصبح صراعاً عارياً على الموارد والممرات المائية، حيث تضع السعودية ثقلها بالكامل للسيطرة على الثروات الهائلة من نفط وغاز في حضرموت والمهرة، معتبرة أن السيطرة على القرار السياسي في عدن والمكلا هي المدخل الوحيد لتأمين اقتصادها العالمي، وهذا الواقع يضع القوى الوطنية الجنوبية أمام اختبار تاريخي؛ فالمعركة لم تعد مع خصم محلي تقليدي، بل مع إرادة إقليمية مستعدة للتضحية باستقرار المنطقة وتفكيك نسيجها الاجتماعي في سبيل ضمان تدفق الذهب الأسود عبر بحر العرب، مما يجعل أي تحليل سياسي يتجاهل هذا البعد الاقتصادي العميق مجرد قراءة قاصرة في كتاب تحكمه لغة الأرقام وفوهات الأنابيب.

فيديو