الجنوب بين حسابات الحلفاء وصراع الإرادات… كيف تغيّر المشهد تحت المظلة السعودية؟

الجنوب - منذ 1 ساعة

عين الجنوب | خاص .  
في خضم التحولات المعقدة التي شهدها الجنوب خلال السنوات الأخيرة، برز الدور السعودي كعامل محوري في إعادة رسم المشهد السياسي والعسكري والإعلامي. غير أن هذا الدور، الذي جاء في سياق إدارة التحالف للحرب وتعقيداتها، بات محل نقاش واسع داخل الأوساط الجنوبية، حيث يرى كثير من الجنوبيين أن سلسلة من السياسات والإجراءات أسهمت تدريجيًا في تغيير موازين القوى التي تشكلت على الأرض منذ سنوات الحرب الأولى.
ففي المجال الإعلامي، شهدت الساحة موجة من الخطاب السياسي والإعلامي الذي ركّز على إعادة تشكيل صورة القضية الجنوبية في الوعي العام العربي. وبحسب ما يتداوله ناشطون ومراقبون جنوبيون، فإن بعض المنصات الإعلامية المرتبطة بخطاب التحالف أو القوى المتحالفة معه تبنّت سرديات حاولت التشكيك في عدالة المطالب الجنوبية، بل وذهبت في بعض الأحيان إلى وصم الحراك الجنوبي بصفات مثل العمالة أو الارتباط بأجندات خارجية. هذا الخطاب، في نظر كثير من الجنوبيين، لم يكن مجرد جدل سياسي عابر، بل شكّل حملة منظمة أسهمت في خلق صورة سلبية عن الجنوب وقضيته لدى قطاعات من الرأي العام العربي، وأضعفت التعاطف الإقليمي مع مطالبه السياسية.
أما على الصعيد العسكري، فقد شهدت القوات الجنوبية تحولات كبيرة أعادت ترتيب بنية القوة على الأرض. فبعد أن لعبت هذه القوات دورًا بارزًا في تثبيت الأمن ومحاربة التنظيمات المتطرفة في عدد من المناطق، دخلت مرحلة من إعادة الهيكلة والدمج ضمن المؤسسات العسكرية الرسمية. غير أن هذه العملية، التي قُدمت باعتبارها جزءًا من مسار توحيد المؤسسة العسكرية، اعتبرها كثير من الجنوبيين عملية تفكيك تدريجية للقوة العسكرية الجنوبية، خاصة مع دمج عدد من التشكيلات في وزارتي الدفاع والداخلية اللتين يرى الجنوبيون أن جماعة الإخوان تمتلك فيهما نفوذًا واسعًا. ووفق هذا التصور، فإن هذه الخطوات أدت إلى تقليص قدرة القوات الجنوبية على اتخاذ قرارها العسكري المستقل وعلى لعب دورها السابق في حماية الأرض والدفاع عن القرار السياسي الجنوبي.
بالتوازي مع ذلك، برز على الأرض واقع عسكري جديد مع انتشار قوات الطوارئ اليمنية في عدد من المناطق الجنوبية، وهي قوات يُنظر إليها من قبل قطاعات جنوبية على أنها مرتبطة بنفوذ جماعة الإخوان داخل المؤسسات العسكرية. هذا الانتشار، بحسب قراءات جنوبية عديدة، لم يكن مجرد إجراء أمني عادي، بل خطوة أسهمت في فرض معادلة ميدانية جديدة أعادت توزيع القوة والنفوذ، وأوجدت واقعًا عسكريًا مختلفًا قيّد إلى حد كبير قدرة القوى الجنوبية على إدارة مناطقها وفق رؤيتها الخاصة.
أما في المشهد السياسي، فقد ظهرت مؤشرات متزايدة على تراجع الحضور الجنوبي في مراكز القرار. فبعد مرحلة كان يُنظر فيها إلى الجنوبيين كشريك رئيسي في إدارة المشهد السياسي، بدأ كثير من النخب الجنوبية يتحدثون عن تحول تدريجي في هذا الدور نحو موقع أكثر هامشية. ويقارن البعض هذا التحول بما حدث بعد حرب عام 1994، حين انتقلت مفاصل القرار السياسي والإداري إلى قوى شمالية، وهو ما يرى هؤلاء أنه يتكرر اليوم بأشكال مختلفة مع بروز شخصيات ومراكز نفوذ جديدة تمسك بخيوط القرار السياسي والإداري، من بينها شخصيات مرتبطة برئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي والقوى المتحالفة معه.
وفي خضم هذه التطورات، طُرحت مبادرات تدعو إلى إطلاق حوار جنوبي–جنوبي بإشراف السلطة القائمة، باعتباره مسارًا لمعالجة الخلافات داخل البيت الجنوبي. غير أن هذه المبادرة لم تلقَ ترحيبًا واسعًا لدى قطاعات من الشارع الجنوبي، حيث يرى كثيرون أن مثل هذه الحوارات قد تتحول إلى مسار سياسي طويل ومعقد يستهلك الوقت والجهد دون الوصول إلى نتائج حقيقية، بل قد يؤدي إلى إغراق القضية الجنوبية في تفاصيل سياسية متشابكة تعيدها إلى نقطة البداية بدلًا من دفعها نحو حل جذري يعالج جذور المشكلة.
ومع تداخل هذه المسارات الإعلامية والعسكرية والسياسية، يتشكل في الوعي الجنوبي انطباع متزايد بأن المكاسب التي تحققت خلال السنوات الماضية تعرضت لعملية تآكل تدريجية، وأن المشهد بات أقرب إلى إعادة إنتاج معادلات قديمة بوجوه جديدة. وفي نظر كثير من الجنوبيين، فإن هذا المسار جعل الدور السعودي يبدو وكأنه يقترب من تبني الرؤية الشمالية في إدارة الملف الجنوبي، بدلاً من دعم تطلعات الجنوبيين كما كان يُعتقد في بدايات التدخل.
وبين حسابات التحالف وتعقيدات الصراع الإقليمي وتشابك المصالح الداخلية، يقف الجنوب اليوم أمام مرحلة شديدة الحساسية، تتقاطع فيها الرهانات السياسية مع المخاوف الشعبية، وتُطرح فيها أسئلة كبرى حول مستقبل القضية الجنوبية، وحدود الدور الخارجي في رسم مسارها، وما إذا كانت هذه التحولات ستقود إلى تسوية عادلة تعيد التوازن إلى المشهد، أم أنها ستفتح الباب أمام جولة جديدة من الصراع السياسي حول الأرض والقرار والهوية.

فيديو