المحافظات الشرقية في مرمى الاستهداف… صراع الهوية والمشروع الجنوبي بين عباءة الخارج وصلابة الداخل

تقارير - منذ 3 ساعات

خاص ||عين الجنوب                

في مشهدٍ يتكرر بصيغ مختلفة لكنه يحمل ذات الجوهر، تبدو المحافظات الشرقية اليوم ساحة مفتوحة لمحاولات ممنهجة تسعى لإعادة تشكيل الوعي الجمعي وضرب أسس الهوية الجنوبية من الداخل، عبر أدوات ناعمة حينًا وخشنة حينًا آخر، وكلها تلتقي عند هدف واحد: إضعاف المشروع الجنوبي وإرباك مساره التاريخي. هذه المحاولات لا تأتي بشكل مباشر وصريح دائمًا، بل ترتدي في كثير من الأحيان عباءة خارجية تحمل شعارات براقة، تخفي خلفها أجندات تتناقض مع تطلعات أبناء هذه المناطق.
المحافظات الشرقية، بما تمتلكه من ثقل جغرافي وثروات طبيعية وموقع استراتيجي، أصبحت هدفًا مغريًا لقوى متعددة، بعضها يسعى لإبقائها في حالة فراغ سياسي وهوياتي، والبعض الآخر يحاول إعادة تدوير نفوذ قديم بوجوه جديدة، مستفيدًا من هشاشة المرحلة وتعقيداتها. وفي خضم هذا المشهد، تُضخ روايات مشوشة تُحاول تصوير المشروع الجنوبي كخطر على هذه المحافظات، في محاولة مكشوفة لبث الشكوك بين مكونات النسيج الجنوبي نفسه.
لكن اللافت أن هذه الحملات، رغم كثافتها، تصطدم بوعي متزايد لدى أبناء المحافظات الشرقية، الذين باتوا أكثر إدراكًا لحجم الاستهداف وطبيعته. لم تعد الشعارات المستوردة قادرة على اختراق هذا الوعي بسهولة، ولم تعد الخطابات المعلبة تجد ذات القبول كما في السابق. فالتجارب المتراكمة، والواقع الملموس، كشفا للكثيرين حقيقة هذه المشاريع، ومن يقف خلفها، وما الذي تسعى لتحقيقه على حساب الأرض والإنسان.
في المقابل، يبرز موقف شعبي يتسم بالثبات والرفض الواضح لأي محاولات انتقاص أو التفاف على الهوية الجنوبية، موقف لا يقوم على ردود فعل آنية بقدر ما يستند إلى قناعة راسخة بأن المشروع الجنوبي لم يعد مجرد خيار سياسي، بل أصبح تعبيرًا عن إرادة شعبية تشكلت عبر سنوات من التضحيات والمعاناة. هذا الثبات لا يعني الانغلاق أو رفض الحوار، لكنه يضع خطوطًا حمراء لا يمكن تجاوزها، وفي مقدمتها المساس بالهوية أو الالتفاف على تطلعات الناس.
وتتجلى خطورة المرحلة في أن أدوات التأثير لم تعد تقليدية، بل باتت تعتمد على الإعلام الموجه، وتمويل الأنشطة المشبوهة، وصناعة نخب بديلة تحمل خطابًا مغايرًا للواقع الاجتماعي والثقافي للمحافظات الشرقية. ومع ذلك، فإن هذا النوع من التأثير، مهما بدا منظمًا، يظل محدود الأثر أمام مجتمع يمتلك ذاكرة حية وتجربة قاسية مع محاولات التهميش والإقصاء.
إن ما يجري اليوم ليس مجرد خلاف سياسي عابر، بل هو صراع على الهوية والاتجاه، بين مشروع يسعى لترسيخ واقع جديد قائم على الشراكة والتمثيل، ومحاولات مضادة تريد إعادة عقارب الساعة إلى الوراء، أو على الأقل إبطاء حركتها. وفي هذا السياق، تبدو المحافظات الشرقية أمام اختبار حقيقي، ليس فقط في قدرتها على الصمود، بل في قدرتها أيضًا على الحفاظ على تماسكها الداخلي ومنع اختراق نسيجها الاجتماعي.
ورغم الضغوط والتحديات، يظل المشهد العام يعكس حالة من التماسك النسبي، حيث تتقاطع إرادة الناس مع إدراكهم لحجم المخاطر، ما يجعل من الصعب تمرير مشاريع تنتقص من هويتهم أو تفرض عليهم خيارات لا تعبر عنهم. هذا الثبات، وإن بدا صامتًا أحيانًا، إلا أنه يحمل في طياته رسالة واضحة: أن المحافظات الشرقية ليست ساحة سهلة لإعادة تشكيلها وفق رغبات الخارج، وأن أي مشروع لا ينطلق من إرادة أبنائها محكوم عليه بالفشل مهما امتلك من أدوات.
وفي ظل هذه المعادلة المعقدة، يبقى الرهان الأكبر على وعي الناس، وعلى قدرتهم في التمييز بين ما يُطرح باسمهم وما يُفرض عليهم، وبين ما يخدم مستقبلهم وما يُستخدم كأداة لتمرير مصالح الآخرين. فالمعركة لم تعد فقط على الأرض، بل في العقول أيضًا، حيث يُصنع الاتجاه الحقيقي لأي مشروع قادم.

فيديو