الجنوب يدفع وحده ثمن الحرب والسلام… من كواليس التهدئة إلى مشاهد إعادة رسم الخارطة

تقارير - منذ 1 ساعة

عين الجنوب|| خاص:
على مدى سنوات الصراع الأخيرة، وجد الجنوب نفسه في موقع الطرف الذي يدفع الكلفة الأكبر، سواء في زمن الحرب أو حتى في لحظات التهدئة التي كان يُفترض أن تخفف من معاناة الجميع. فمنذ نقل السلطة في أبريل 2022، والذي رافقته حالة من خفض التصعيد بين الأطراف المتقاتلة، بدا واضحًا أن هذه التهدئة لم تشمل الجنوب، بل تحولت إلى مرحلة جديدة من الضغوط والاستهداف الممنهج.
في الوقت الذي توقفت فيه جبهات عدة، استمرت العمليات العسكرية ضد الجنوب وقواته المسلحة، من قبل قوى مختلفة تحت مسميات متعددة، في مشهد يثير تساؤلات عميقة حول طبيعة التوازنات القائمة. كل ذلك جرى على مرأى ومسمع من التحالف العربي والقوى الدولية الفاعلة، دون تدخل حاسم يوقف هذا النزيف، الأمر الذي عزز قناعة لدى الشارع الجنوبي بوجود توافق غير معلن على إبقاء الجنوب في دائرة الاستنزاف.
ومع مطلع يناير 2026، بدأت ملامح مرحلة أكثر وضوحًا في هذا المسار، حيث تصاعدت الأحداث بشكل لافت، خصوصًا في مناطق وادي وصحراء حضرموت، والمهرة، والضالع. هذه التطورات فُسرت على نطاق واسع بأنها محاولة لإعادة تشكيل الواقع العسكري والسياسي في الجنوب، عبر استهداف القوات الجنوبية وإضعاف بنيتها، في سياق يتجاوز مجرد خلافات ميدانية إلى مشروع أوسع لإعادة ترتيب الأوراق.
غير أن هذه التحركات قوبلت برفض شعبي واسع منذ اللحظة الأولى، إذ عبّر الجنوبيون عن تمسكهم بقضيتهم ورفضهم لأي محاولات لفرض واقع جديد يتعارض مع تطلعاتهم. هذا الرفض لم يكن سياسيًا فقط، بل انعكس أيضًا في حالة من التماسك الشعبي والعسكري، أكدت أن المعادلة في الجنوب لم تعد قابلة للتغيير بسهولة.
وفي سياق متصل، جاء اللقاء السعودي الحوثي الأخير ليضيف مزيدًا من التعقيد إلى المشهد، حيث اعتبره مراقبون خطوة تمهيدية لتنفيذ تفاهمات سابقة، يُعتقد أنها ترتبط بما يُعرف بخارطة مسقط. هذه الخارطة، التي قوبلت بالرفض من قبل قيادات جنوبية منذ طرحها، عادت إلى الواجهة كمؤشر على تحركات سياسية تجري خلف الكواليس، قد يكون لها انعكاسات مباشرة على مستقبل الصراع.
بالتوازي مع ذلك، أثارت التطورات الأخيرة في محافظة الجوف اليمنية الكثير من الجدل، خاصة بعد سقوط ما تبقى منها بيد جماعة الحوثي، في ظل اتهامات متبادلة بين الأطراف اليمنية بشأن مسؤولية ما جرى. ويرى محللون أن ما حدث قد يكون مقدمة لسيناريو أوسع، يمتد إلى محافظة مأرب، التي تمثل آخر معاقل التوازن العسكري في الشمال.
كل هذه المعطيات ترسم صورة معقدة لمشهد يتجه نحو إعادة ترتيب شاملة، تتداخل فيها الحسابات المحلية بالإقليمية والدولية. وبينما تتسارع التحركات السياسية والعسكرية، يبقى الجنوب في قلب هذه التحولات، كطرف فاعل يرفض التهميش، ويتمسك بحقه في تقرير مستقبله.
في النهاية، يبدو أن الجنوب لم يعد مجرد ساحة صراع، بل أصبح عاملًا حاسمًا في معادلة لا يمكن تجاهلها. ومع استمرار التغيرات، سيظل السؤال الأبرز: هل تتجه المنطقة نحو تسوية شاملة تراعي جميع الأطراف، أم أن الجنوب سيواصل دفع فاتورة صراع لم يكن يومًا طرفًا في صناعته؟

فيديو