حكومة بلا حكومة… كيف يدير الحوثيون سلطتهم من خلف الستار؟

تقارير - منذ 1 ساعة

عين الجنوب|| خاص:
في مشهد سياسي يزداد غموضاً وتعقيداً، لا تزال جماعة الحوثيين عاجزة عن تشكيل حكومة جديدة بعد مرور أشهر طويلة على الضربة التي استهدفت قياداتها العليا، وهو تعثر لا يبدو عابراً بقدر ما يعكس طبيعة بنية حكم مختلفة، تتجاوز الأطر التقليدية للدولة وتكرّس نموذجاً موازياً لإدارة السلطة.
فعلى الرغم من الوعود التي أطلقتها الجماعة عقب الحادثة، بتشكيل «حكومة كفاءات» ضمن مسار إصلاحي شامل، لم تظهر أي مؤشرات فعلية على تنفيذ هذه الخطوة، ما عزز من قناعة متزايدة لدى المراقبين بأن المؤسسات الحكومية لم تعد تمثل مركز القرار الحقيقي، بل مجرد واجهات إدارية تمنح غطاءً شكلياً لمنظومة حكم غير معلنة.
وتشير معطيات من داخل العاصمة صنعاء إلى أن الجماعة رسّخت خلال سنوات سيطرتها نظاماً قائماً على شبكة واسعة من «المشرفين»، يرتبطون مباشرة بمكتب القيادة العليا، ويتمتعون بصلاحيات تتجاوز تلك الممنوحة للوزراء والمسؤولين الرسميين. هذا النمط من الإدارة، الذي تعزز بشكل أكبر بعد مقتل الرئيس الأسبق علي عبد الله صالح، أفرز واقعاً جديداً تراجعت فيه مكانة المؤسسات الحكومية لصالح مراكز نفوذ خفية تدير المشهد من وراء الكواليس.
ومع غياب حكومة فاعلة، لم تلجأ الجماعة إلى إعادة تشكيل السلطة التنفيذية بقدر ما اعتمدت على حلول مؤقتة، من خلال تكليف شخصيات محددة بتسيير الأعمال، إلى جانب تعيين قائمين بالأعمال بدلاً عن الوزراء الذين تم استهدافهم، في خطوة تعكس، بحسب مراقبين، قناعة ضمنية بعدم جدوى إحداث تغيير شكلي لن يمس جوهر آلية اتخاذ القرار.
في هذا السياق، لم يعد يُنظر إلى المسؤولين الحكوميين بوصفهم صناع قرار، بل كمديرين إداريين يقتصر دورهم على تنفيذ توجيهات تصدر من دوائر ضيقة، ترتبط بالأجهزة الأمنية والعسكرية للجماعة، وهو ما أضعف من حضور الدولة بمفهومها المؤسسي، ورسّخ بديلاً يقوم على الإدارة غير المباشرة.
وعلى الصعيد الميداني، ازدادت مظاهر السرية بشكل لافت في طريقة عمل ما تبقى من الجهاز الحكومي، حيث بات المسؤولون يديرون أعمالهم من مواقع غير معلنة، تحت إجراءات أمنية مشددة فرضتها مخاوف الاختراق، عقب الضربة التي استهدفت اجتماعاً حكومياً سرياً. هذه التدابير انعكست بدورها على آلية التنسيق بين المؤسسات، التي أصبحت تعتمد على وسائل غير تقليدية، من وسطاء وشبكات تواصل غير رسمية، الأمر الذي عمّق الطابع غير المؤسسي للإدارة.
كما فرضت الأجهزة الأمنية رقابة صارمة على تحركات المسؤولين، ما حدّ من قدرتهم على العمل العلني والتفاعل مع الواقع، وزاد من عزلتهم عن الشارع، في وقت تتزايد فيه الانتقادات لأداء السلطة، خصوصاً مع استمرار التدهور في الأوضاع الاقتصادية والخدمية.
ولم تخلُ التحركات المحدودة للمسؤولين من الجدل، إذ أثارت زيارات سرية لبعض القيادات إلى المحافظات انتقادات واسعة، في ظل غياب الشفافية وغياب نتائج ملموسة على الأرض، ما عزز من الفجوة بين الخطاب الرسمي والواقع المعيشي للمواطنين.
في المقابل، يبدو الشارع أقل اهتماماً بمسألة تشكيل حكومة جديدة، حيث تتصدر الأولويات قضايا أكثر إلحاحاً، مثل صرف الرواتب المتوقفة منذ سنوات، وتحسين الأوضاع الاقتصادية المتدهورة. ويرى كثير من السكان أن أي تغيير حكومي لن ينعكس على حياتهم اليومية، طالما أن القرار الفعلي لا يصدر عن هذه المؤسسات.
ويؤكد موظفون وعاملون في قطاعات مختلفة أن فقدان الثقة بالمؤسسات الرسمية بلغ مستويات غير مسبوقة، خاصة مع استمرار القرارات الاقتصادية المفاجئة، مثل تقليص الرواتب أو تعليقها دون مبررات واضحة، ما فاقم من حالة الاستياء، خصوصاً في أوساط المعلمين والموظفين الحكوميين.
في ظل هذه المعطيات، يبرز تساؤل جوهري حول مستقبل هذا النموذج من الحكم، ومدى قدرته على الاستمرار في إدارة مناطق واسعة وسط تحديات أمنية واقتصادية متفاقمة. فبين سلطة خفية تتحكم بالمشهد، ومؤسسات شكلية تفتقر للفاعلية، يظل المشهد مفتوحاً على احتمالات متعددة، في وقت يتطلع فيه المواطنون إلى حلول حقيقية تعيد الحد الأدنى من الاستقرار وتضع حداً لحالة الضبابية التي تسيطر على مفاصل السلطة.

فيديو