عدن على صفيح السياسة: معركة الإرادة الشعبية في مواجهة الكيانات المستنسخة

تقارير - منذ ساعتان

عين الجنوب|| خاص:
في لحظة إقليمية شديدة التعقيد، حيث تتقاطع المصالح وتُعاد صياغة الخرائط السياسية، تعود القضية الجنوبية لتفرض حضورها بوصفها رقماً صعباً في معادلة لا تقبل التجاهل أو الالتفاف. غير أن المشهد في العاصمة عدن وبقية المحافظات الجنوبية يشهد في الآونة الأخيرة حراكاً لافتاً يتمثل في محاولات متسارعة لتشكيل مكونات سياسية جديدة، يصفها مراقبون بأنها نسخ مكررة تفتقر إلى الجذور الشعبية، ما يفتح الباب أمام تساؤلات حقيقية حول أهداف هذا التحرك وتوقيته.
هذه الكيانات، التي برزت بشكل مفاجئ، تبدو في نظر كثيرين جزءاً من استراتيجية أوسع تسعى إلى إعادة خلط الأوراق داخل الساحة الجنوبية، عبر خلق حالة من التعددية الشكلية التي قد تُستخدم لتسويق صورة مغايرة للواقع أمام المجتمع الدولي. ووفقاً لقراءات سياسية متقاطعة، فإن هذه التحركات ترتبط بقوى تحاول إعادة إنتاج نفوذها التاريخي في الجنوب، مستفيدة من تعقيدات المرحلة الحالية، وهو ما يثير مخاوف من أن تكون هذه الخطوات مقدمة لتفتيت وحدة الموقف الجنوبي وإضعاف تماسكه.
في المقابل، يبرز المجلس الانتقالي الجنوبي كفاعل رئيسي في المشهد، مستنداً إلى قاعدة شعبية واسعة ومكاسب ميدانية تحققت خلال سنوات من الصراع. ويعتبر أنصاره أن محاولات تصويره كأحد أطراف متعددة، وليست ممثلاً أساسياً لتطلعات شريحة واسعة من الجنوبيين، لا تعدو كونها محاولة للالتفاف على واقع فرضته التضحيات، وإعادة تعريف المشهد السياسي بما يخدم أجندات خارجية أو مصالح ضيقة.
التحدي الأبرز الذي يواجه الجنوب في هذه المرحلة لا يقتصر على التباينات السياسية، بل يمتد إلى الأوضاع المعيشية المتدهورة التي تلقي بظلالها الثقيلة على حياة المواطنين. فمع تكرار أزمات الكهرباء، وارتفاع أسعار الوقود، وتأخر صرف المرتبات، تتزايد المخاوف من توظيف هذه الأزمات كورقة ضغط سياسي، في محاولة لإضعاف الحاضنة الشعبية وإرباك المشهد الداخلي. ويرى محللون أن هذا النمط من الضغط، إن ثبتت صحته، قد يأتي بنتائج عكسية، نظراً لتجارب سابقة أظهرت قدرة الشارع الجنوبي على التكيف والصمود في ظروف أكثر قسوة.
في السياق ذاته، تتجه الأنظار نحو المجتمع الدولي وشركاء التحالف، وسط دعوات متزايدة لإعادة تقييم المقاربة الحالية تجاه الملف الجنوبي. فهناك من يرى أن الاستقرار الحقيقي لا يمكن أن يتحقق عبر دعم كيانات تفتقر إلى الامتداد الشعبي، أو من خلال فرض حلول لا تنسجم مع تطلعات الشارع، بل عبر تبني نهج قائم على الشراكة الحقيقية واحترام الإرادة المحلية. كما تُطرح تساؤلات حول جدوى السياسات التي تقيد حركة بعض القيادات الجنوبية أو تضعها في إطار ضيق، في وقت تتطلب فيه المرحلة انفتاحاً أكبر وحواراً أكثر شمولاً.
ومع تصاعد هذا الجدل، يظل الشارع الجنوبي عاملاً حاسماً في توجيه بوصلة الأحداث. فحالة الوعي السياسي التي تراكمت خلال السنوات الماضية، إلى جانب التجارب الميدانية، جعلت من الصعب تمرير مشاريع لا تحظى بقبول شعبي واسع. وبينما تستمر محاولات إعادة تشكيل المشهد، يبدو أن الرهان الحقيقي يبقى على قدرة الجنوبيين أنفسهم في الحفاظ على تماسكهم، وتحديد أولوياتهم، ومواجهة التحديات السياسية والاقتصادية بروح جماعية.
في المحصلة، يقف الجنوب اليوم أمام مفترق طرق حساس، تتداخل فيه رهانات الداخل مع حسابات الخارج. وبين محاولات صناعة واقع سياسي بديل، وتمسك شريحة واسعة بما تعتبره حقاً مشروعاً في تقرير المصير، تتواصل معركة الإرادة على أكثر من مستوى. غير أن المؤكد، وفق ما تعكسه المعطيات الحالية، أن أي مسار لا يأخذ بعين الاعتبار الوزن الحقيقي للشارع، سيظل عرضة للاهتزاز، في منطقة لم تعد تقبل الحلول المفروضة بقدر ما تبحث عن معادلات أكثر واقعية وعدلاً.

فيديو